فكيف نفهم أنّ بعض ما جاء في الألواح الّتي كتبها اللّه لموسى أحسن من بعض ، وأنّ بعض ما جاء في القرآن المجيد أحسن من بعض ؟
أقول : تتوارد على أذهاننا في الإجابة على هذا السؤال عدّة احتمالات ، أولاها بالاعتبار أنّ الأوامر والنواهي الدّينيّة في القرآن ، وفيما كتب اللّه عزّ وجلّ في الألواح لموسى عليه السّلام ، قسمان بالنسبة إلى المطلوب فيها :
القسم الأوّل : هو الأحسن ، وقد أمر اللّه به أمر إيجاب وإلزام فعلا كان أم تركا ، فأحبّ الأعمال إلى اللّه أن يطيعوه فيما فرض عليهم أن يفعلوه ، وفيما فرض عليهم أن يتركوه ، فهي الأحسن .
القسم الثاني : هو الحسن ، وقد أمر اللّه به أمر ندب وترغيب ، دون إيجاب وإلزام ، فعلا كان أم تركا .
فهذه نوافل حسنة يتقرّب بها العبد إلى ربّه ، وفي هذا القسم يتسابق ويتنافس طالبو المراتب العليّة عند ربّهم من الأبرار والمحسنين .
وعلى هذا فمعنى قول اللّه عزّ وجلّ لموسى عليه السلام :
وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِها
وأمر قومك أمر إلزام وإيجاب ليأخذوا بأحسنها ، وهي الفرائض الّتي ألزمهم اللّه بفعلها ، والمحرّمات الّتي ألزمهم بتركها .
أمّا الأشياء الحسنة الأخرى ، فادعهم إلى الأخذ بها ترغيبا وندبا ، ليتسابق المتسابقون منهم في الخيرات على اختلاف رغباتهم وهمّاتهم ، وتطلّعاتهم بشوق إلى المراتب العليّة عند اللّه .
أمّا موسى عليه السّلام فقد كان مكلّفا إلزاما بأن يأخذ بالأحسن وبالحسن ، لأنّ اللّه عزّ وجلّ قال له :
فَخُذْها بِقُوَّةٍ
أي : فخذها جميعا بقوّة .