تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 548

مساهمون:

ص٥٤٨
أقول : ولا يبعد أنّ موسى عليه السّلام كان قد أعدّ اللّوحين من الحجارة ، ليكتب اللّه له عليهما ما كان قد وعده ، من أن يسجّل له ولقومه من الدّين ما يأتونه وما يذرونه ، ولهذا عرّف اللّه في الآية الألواح بأداة التعريف الّتي تفيد التعيين ، إذ هي « ال » الّتي للعهد . وجاء في سفر الخروج أيضا أنّ اللّه كتب له اللّوحين بأصبعه على الوجهين من كلّ لوح منهما . أقول : فتكون بذلك أربعة ألواح باعتبار وجوه الكتابة . قال ابن كثير : « ففي الصحيح أنّ اللّه كتب له التوراة بيده ، وفيها مواعظ عن الآثام ، وتفصيل لكلّ ما يحتاجون إليه من الحلال والحرام » . *
مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً
أي : كتب له موعظة من كلّ شيء هو من مطلوبات الدّين الّذي اصطفاه لهم يومئذ ، ويظهر أنّ المراد أنّه كتب له موعظة من كلّ نوع ، أو قسم من أقسام المواعظ ، الّتي من شأنها أن تدفع المستجيب ، للاستمساك بالدّين وتعليماته . الموعظة : ما يكون به الوعظ من قول أو فعل . والوعظ : هو النّصح بالفعل أو بالتّرك ، المقرون بما يثير الرّغبة أو الرّهبة في النفس ، للانتفاع بالنّصح ، واتّباع ما هدى إليه فعلا أو تركا . *
وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ
أي : وتبيينا مفصّل العناصر بعضها عن بعض ، لكلّ شيء من شرائع الدّين وأحكامه ، ممّا هو مطلوب منهم أن يأتوه أو يتركوه ، فالقرائن الفكرية ، وقرائن السّباق والسّياق ، تدلّ على أنّ العموم في عبارة :
لِكُلِّ شَيْءٍ
مراد به ما يشمل الأحكام الدّينيّة ، الّتي قضى اللّه جلّ جلاله أن ينزلها إليهم ويبيّنها لهم في ذلك الوقت . جاء في الآية تقديم :
مِنْ كُلِّ شَيْءٍ
على :
مَوْعِظَةً
وتأخير :
لِكُلِّ شَيْءٍ
عن :
وَتَفْصِيلًا
لإحكام الفصل بين القضيّتين .