تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 546

مساهمون:

ص٥٤٦
ومع أن محمّدا صلى اللّه عليه وسلم قد فضّله اللّه عزّ وجلّ على جميع المرسلين ، فإنّ الرّسول لم يسمح لأمّته بأن يفاخروا برسولهم ، ويخيّروه على سائر الرّسل ، لما في هذه المفاخرة من تنافس دافعه الأنانيّة في دوائر الأمم والشّعوب ، والرّغبة في الاستعلاء في الأرض ، مع أنّ الأمر يرجع إلى فضل اللّه بقضائه وقدره ، لا إلى المكتسبات الإراديّة الّتي قد يسمح فيها بالتّنافس . إنّ التنافس بالرّسل هو نظير التنافس بالأعراق ، وبالأقاليم ، وبالهبات الرّبّانيّة الّتي لا كسب للنّاس فيها ، فنهي الرّسول محمّد صلى اللّه عليه وسلم ينبغي أن يحمل على هذا المعنى . وبعد أن أبان اللّه لموسى عليه السّلام أنّه اصطفاه على الناس برسالاته وبكلامه ، قال له : *
. . فَخُذْ ما آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ
( 144 ) : أي : فارع يا موسى حقوق هذا الاصطفاء ، فخذ ما آتيتك من تعليمات ، وبيانات ، وما آتيتك في الألواح الّتي كتبتها لك بأمري من شرائع وأحكام ووصايا ، والمراد بأخذها المحافظة عليها ، وتذكّرها ، والعمل بما جاء فيها ، وعدم إهمالها . وكن من الشّاكرين لما أنعمنا به عليك ، ولما فضّلناك به ، ولما اصطفيناك له . والمعنى : وكن شاكرا من الشّاكرين الّذين اصطفيناهم من المرسلين ، وفي هذا إلماح له بأن يقتدي بالشّاكرين من قبله ، كإبراهيم وإسحاق ويعقوب عليهم السلام . الشّكر : مقابلة إنعام المنعم بما يرضيه ، من فعل أو ترك ، أو أيّ شيء مادّيّ يسرّه ، وقد يشمل القول الذي فيه ما يرضى المنعم ، إلّا أنّ بعض القول يختصّ بعنوان الحمد والثناء .