تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 508

مساهمون:

ص٥٠٨
أمّا قول اللّه عزّ وجلّ بشأن فرعون وآله وأتباعهم :
وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ
بعد قوله :
أَلا إِنَّما طائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ
فإنّه يدلّ على أن القليلين منهم يعلمون بأنّ ما نزل بهم ممّا يكرهون من سيّئة ، هو بسبب أعمالهم الإجراميّة الّتي يعاندون بها الحقّ الّذي جاء به موسى وهارون عليهما السّلام ، إلّا أنّهم يكابرون ، ويحاولون بالتضليل وتزيين الأقوال الدّعائيّة تغطية الحقّ على جماهيرهم ، وهؤلاء الجماهير يقلّدونهم بتأثير ثقتهم السّابقة بهم ، ويسلّمون لهم ما يقولون ثمّ يردّدون أقوالهم ترديدا ببغاويّا ، فلا ينفردون عنهم بقول يعلنونه ، ولا يخالفونهم في رأي . وهؤلاء القليلون هم الملأ من حول فرعون وأهل مشورته الّذين إذا قالوا قولا تبعهم فيه الجماهير فقالوا مثل مقالتهم ، ولا بدّ أن يكون هؤلاء هم الّذين وجّهوا لموسى عليه السّلام المقولة الّتي دلّ عليها قول اللّه عزّ وجلّ في الآية التّالية من سورة ( الأعراف ) : *
وَقالُوا مَهْما تَأْتِنا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنا بِها فَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ .
( 132 ) هذه المقولة منهم لموسى ، تدلّ على اعترافهم بأنّ الأحداث الّتي تجري في مصر ، هي من الآيات الّتي يؤيّد اللّه بها رسوله موسى عليه السلام ، وعلى أنّهم لا يستطيعون معارضتها أو إيقافها ، ما لم يرجعوا إليه ويطلبوا منه أن يرفعها إلهه عنهم . وتدلّ أيضا على أنّهم مستيقنون في أنفسهم أنّها آيات بينات كافيات لأن يؤمنوا بموسى نبيّا ورسولا ، ولأن يسلموا للّه ويتّبعوا ما أنزل إليهم من ربّهم ، إلّا أنّهم أظهروا تعنّتهم ، واعتبروا الآيات مظاهر لأعماله السّحريّة ، فقالوا له : مهما تأتنا به من آية مهما بلغت في دلالتها البرهانيّة فنحن لا نعتبرها إلّا عملا سحريّا ، وما نحن بمؤمنين بك ، ولا بمسلمين لك .