أي : وإذا قام صراع بين فريقين من الناس ، أو بغى جبّارون ظالمون على مستضعفين في الأرض ، فالعاقبة في آخر مدّة امتحان اللّه للفريقين ، ستكون بمقتضى سنّة اللّه في عباده للمتقين ، أي : لمصلحة المتقين ونصرهم على عدوّهم ، فهي إذا لا تكون إلّا خيرا للمتقين .
المتّقون : هم المؤمنون باللّه وبرسله ، والمسلمون له ، المجتهدون في العمل بأحكام دين اللّه لعباده ، الّذين يؤدّون ما فرض اللّه عليهم ، وينتهون عمّا نهاهم اللّه عنه .
وللتقوى درجات أعلاها فعل كلّ ما أمر اللّه بفعله ، وترك كلّ ما نهى اللّه عن فعله . وأدناها القيام بما يقي من الخلود في عذاب النار .
ولكنّ العاقبة الحسنة في الدنيا تكون للمرتقين في درجات مرتبة التقوى إرتقاء يقرّبهم من الدّرجة العليا فيها ، مع الاستغفار عن التقصيرات والمخالفات ، والعزم على الالتزام بكلّ حقوق مرتبة التقوى .
بعد هذا البيان الذي قدّمه موسى عليه السلام لقومه الّذين آمنوا ، قالوا له كما جاء في قول اللّه تعالى :
*
قالُوا أُوذِينا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنا وَمِنْ بَعْدِ ما جِئْتَنا
من بديع الاختيار في بدائل الكلمات المترادفات ، أن العبارة هنا جيء فيها :
وَمِنْ بَعْدِ ما جِئْتَنا
لا « ومن بعد ما أتيتنا » فالمجيء والاتيان مترادفان ، لكن التنويع هنا في البدائل أعذب في السّمع وألين في النطق .
أي : آذانا فرعون ودولته وقومه من القبط من قبل أن تأتينا نبيّا رسولا ، فكانوا في مدّة من الزّمن يذبّحون أبناءنا من المواليد ، ويبقون مولوداتنا من البنات فلا يقتلونهنّ ، وكانوا يضطّهدوننا ، ويكلّفوننا الأعمال الشّاقة ، ويعتبروننا بمثابة العبيد لهم . وما زالوا بعد ما جئتنا يؤذوننا ، فقد صدر القرار الفرعونيّ بتقتيل الذكور من مواليدنا ، إضافة إلى إيذائهم لنا بالتسخير والاضطهاد .