تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 449

مساهمون:

ص٤٤٩
ثمّ جرى التوسّع في التعبير فصار يستعمل في المعنويات ، ومنه الطّبع على القلوب ، للدّلالة على أنّها صارت محجوبة عن إدراك أيّ شيء يتعلّق بما هي محجوبة عنه . وطبع اللّه عزّ وجلّ على قلوب النّاس يكون نتيجة قدريّة لما يكسبه النّاس بإراداتهم الحرّة ، كمن يشرب بإرادته الحرّة السّمّ القاتل ، فإنّ اللّه جلّ جلاله ، وعظمت حكمته ، يقتله بسمّه ضمن قانونه القدريّ العامّ ، وكمن يدخل يده في النّار ، فإنّ اللّه عزّ وجلّ يحرقها له ضمن قانونه القدريّ العامّ . وكذلك فإنّ من يمعن في إعراضه عن آيات اللّه المذكّرات له ، ويستهين بها ، ولا يعبأ بالمذكّرين ، ولا بالدّعاة الرّبّانيّين المبشّرين والمنذرين ، ولا يستمع للبراهين والحجج الإقناعيّة الدامغة ، ويسلّم عنان إرادته لأهوائه وشهواته ورغباته من الحياة الدّنيا ، فإنّ اللّه عزّ وجلّ يطبع على قلبه ضمن قانونه القدريّ العامّ ، إذ صار ميؤوسا من استقباله باختياره والحرّ لأنوار الهداية الرّبّانيّة . المادّة الثالثة :
فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ :
أي : فهم بعد الطّبع على قلوبهم الذي كان بأسباب منهم ، لا يسمعون موعظة واعظ ، ولا تذكير مذكّر ، ولا نصيحة ناصح . فإذا بلغوا هذه الدّركة العميقة في الانحطاط ، فإنّهم حينئذ يستحقّون إنزال عذاب فيهم ، وإهلاك شامل لهم ، تطبيقا لسنّته الّتي لا تبديل لها ولا تحويل لمجراها .

مراحل سنن اللّه في الأمم الأربع :

وقد جاء ترتيب هذه الآية بعد بيان أحوال الأمم السّالفة ، وبيان سنّة اللّه عزّ وجلّ فيهم ، وهذه السّنّة قد كانت تشتمل دواما على أربعة مراحل :