تعديته ، فحملت العبارة دلالتي الفعلين معا ، والتقدير أو ما هدى حال الأمم السّالفة مبيّنا للأمم الوارثة لها في سكنى الأرض ، سنّة اللّه عزّ وجلّ الثّابتة ، الّتي لا تبديل لها ولا تحويل .
إنّ تكرار إجراء هذه السّنّة الرّبّانيّة في الأمم السّالفة ، مع التّذكير بها فيما جاء به المرسلون ، ثمّ فيما نزل في القرآن المجيد ، مع التّنبيه عليها بصريح العبارة في مناسبات كثيرات ، من شأنه أن تحصل به قناعة تامة بثبات هذه السّنّة ، لدى الأمم الحاضرة إبّان تنزيل القرآن ، والأمم الّتي ستأتي بعدها ، باعتبارهم من الذين ورثوا الأرض من بعد أهلها السّابقين المهلكين بسبب كفرهم ، وتكذيبهم رسل ربّهم ، وتكذيبهم بما أنزل إليهم من ربّهم ، وعدم اتّباعه ، وبسبب إسرافهم في الظلم والطغيان ، والبغي والفجور والعصيان ، وتماديهم في الغيّ والفساد والإفساد في الأرض .
*
لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِها :
أي : لكلّ ساكني الأرض من بعد الّذين سكنوها قبلهم من الأمم والأقوام والشّعوب السّالفة ، الّذين أجريت عليهم سنّة اللّه الثابتة ، الخاضعة لمشيئة اللّه الّتي لا تفارق حكمته .
*
أَنْ لَوْ نَشاءُ أَصَبْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ :
أي : أو لم يعلموا ويقتنعوا افتناعا تاما ، أن لو نشاء - إذا اقتضت حكمتنا - لأجرينا عليهم سنّتنا الّتي أجريناها على الأمم السّابقّة الّتي عذّبناها وأهلكناها إهلاكا عاما شاملا ، فأصبناهم بسهام التّعذيب والإهلاك العامّ الّتي أصبنا بمثلها الّذين سلفوا من الأمم الّتي أهلكناها .
جاء التّعبير بالإصابة للدّلالة على أنّ وسائل التعذيب الّتي يمكن أن يعذّبهم بها تدخل إلى أعماقهم ، ولا تكتفي بمسّ جلودهم .
ولا يخفى ما في استعمال ضمير المتكلّم العظيم هنا من ضغط قويّ على محور الخوف في نفوس أولي الألباب .