وهذه الأمثلة كافية لأن تقدّم هداية للأمم اللاحقة ، الّتي أورثها اللّه أرض الأمم السابقة الّتي أهلكها ، وأن تقدّم لهم بيانا إقناعيّا لا يستهين به إلّا الّذين لا عقول لهم ، ولا يعرض عنه إلّا المجرمون الّذين يستحقّون أن يجري اللّه فيهم سنّتّه الّتي أجراها في المهلكين السّابقين .
ولمّا كان في الناس من بعد تنزيل القرآن واشتماله على هذه البيانات ، جماعات كثيرون لم يؤمنوا ولم يتّقوا كان حالهم مشبها حال من لم تأته هذه الهداية ، ولم تأته هذه البيانات ، فكان من أسلوب البيان الرفيع طرح السّؤال التالي :
ألم يأت هؤلاء الناس ما يهديهم ويبيّن لهم سنّة اللّه ، حتّى كان منهم هذا الإهمال وعدم الاكتراث ، وحتّى سلكوا السّبل المؤدّية بحسب سنّة اللّه إلى تعذيبهم فإهلاكهم ، كما حصل للّذين من قبلهم ، وجاء التعبير القرآني عن هذا السؤال بقول اللّه تعالى :
*
أَ وَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِها أَنْ لَوْ نَشاءُ أَصَبْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَنَطْبَعُ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ
( 100 ) :
جاء تقديم
أَصَبْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ
لأنّه هو النتيجة . وهنا يأتي سؤال لماذا يستحقّون هذه الإصابة ؟ والجواب : لأنهم لم يستفيدوا ممّا جاءهم من هداية وبيان عمّا جرى من تعذيب وهلاك للذين من قبلهم من مكذّبي القرون السّابقة بما جاءهم عن ربّهم . وهنا يأتي سؤال : لماذا لم يستفيدوا من ذلك ؟ والجواب : لأنّهم مطبوع على قلوبهم فهم لا يسمعون بيان مبيّن ولا تذكير مذكّر . وهنا يأتي سؤال : لماذا طبع على قلوبهم ؟ وهنا يجيب التّدبّر الفكريّ المستّند إلى بيانات قرآنيّة متعدّدة في غير هذا النّصّ ، مع التّحليل النفسيّ لظاهرات السّلوك الإنساني ، فيقول : لأنّهم اتّبعوا أهواءهم وشهواتهم ورغباتهم من الحياة الدّنيا ، فانطلقوا يكدحون لتحقيق لذّاتهم ،