معرضين ومدبرين عن كلّ منطق عقليّ ، وطال عليهم الزّمن ، وهم مستغرقون لا يفكّرون إلّا فيما يحقّق لهم متاعات الحياة الدّنيا ولذّاتها ، ويكدحون لاهثين لتحقيقها ، فجرى عليهم قانون الطّبع على قلوبهم ، أحد أنظمة التكوين العامّ للأسباب والمسبّبات ، ومن أقفل قلبه عن استقبال بيانات الهداية بعقل ورشد ، فإنّ مراكز سمعه في دماغه لا يصل إليها ما تتلقاه أذناه من هذه البيانات ، وكذلك مراكز إبصاره لا ترى ما تشاهده عيناه من آيات اللّه في آثار المهلكين السابقين ، ومن آيات اللّه في السّماوات والأرض .
* * *
قول اللّه عزّ وجلّ :
*
تِلْكَ الْقُرى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبائِها وَلَقَدْ جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ كَذلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى قُلُوبِ الْكافِرِينَ ( 101 ) وَما وَجَدْنا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَإِنْ وَجَدْنا أَكْثَرَهُمْ لَفاسِقِينَ
( 102 ) :
تمهيد :
يتحدّث ربّنا جلّ جلاله في هاتين الآيتين بتعقيب ختاميّ عن أهل القرى الغابرة ، وهم سكّان كلّ مجمّع سكنيّ وتوابعه من أهل البوادي ، الّذين قصّ اللّه عزّ وجلّ علينا بعض أنبائهم ، في سورة ( الأعراف ) وفيما نزل قبلها من سور ، سواء منهم الّذين ذكر أسماءهم وأسماء رسلهم ، أم الّذين تحدّث عنهم بعبارات عامّات مجملات ، دون ذكر أسمائهم وأسماء رسلهم ، أم الّذين قصّ علينا أيضا بعض أنبائهم بالتّدرّج التكميليّ فيما أنزل بعد هذا النّصّ في نجوم التّنزيل القرآنيّ على الرّسول محمّد صلى اللّه عليه وسلم .
وقد جاء في هذا التعقيب الختاميّ لهذا الفصل السّادس ، من الدّرس