إنّ إهلاك السّابقين قد كان بتأثير ظواهر طبيعيّة في الكون ، ولم يكن أثر قصد حكيم ، وعقاب وانتقام من ربّ قاهر جبّار مهيمن على كلّ صغيرة وكبيرة في الكون وأحداثه عليم قدير ، لا يجري شيء في الكون إلّا بقضائه وقدره وأمره ، أو إذنه وتمكينه .
فهم إذن يجحدون ربوبيّة الرّبّ الخالق ، أو يجحدون بعض صفات ربوبيّته ، فمناظرتهم تنقل إلى إثبات ما يجحدونه من ربوبيّة اللّه جلّ جلاله .
* وإمّا أن يقولوا : لقد غيّر اللّه سنّته ، بعد أن أصبحت الأمم أمما حضاريّة ذوات علم بقوانين الطبيعة ، وقدرة على تنظيم أمورهم المعاشيّة ، ومكافحة الأمراض وأسبابها ، وهي الّتي كانت تنجم عمّا كان يسمّى محرّمات ومحظورات في الأديان القديمة ، ولم يبق حالها كأحوال الأمم البدائيّة القديمة ، الّتي كانت تأتيها الكوارث والمهلكات العامّات الشّاملات .
والرّدّ على هذا يكون بإثبات أنّ سنن اللّه جلّ جلاله وعظم سلطانه في عباده ثابتة ، لا تبديل لها ولا تحويل ، وأنّ الأمم الحضاريّة تتعرّض دواما لأن تطبّق فيها سنن اللّه عزّ وجلّ ، ولو على أيدي الناس ، كما حصل في الحرب العالميّة الأولى ، والحرب العالميّة الثانية ، والحروب القارّيّة والإقليميّة غير الشّاملة ، والكوارث الّتي تحدث حينا فحينا ، والأمراض والأوجاع الّتي لم تكن في القرون السّالفة ، وتحار الدّول الحضاريّة في أن تجد وسيلة للقضاء عليها ، فلا تجد إلّا بالتزام أحكام دين اللّه للناس .
على أنّ تاريخ البشريّة في حكمة اللّه وسننه الدّائمة لا يقاس بعشرات السنين ، ولا بمئاتها أحيانا ، وذلك لأنّ اليوم في حساب الإمهال والحلم الرّبّاني ، قد يكون بنحو ألف سنّة ممّا يعدّ الناس بحسب نظام الأرض ، فالسّاعة من هذا اليوم تقدّر بنحو أربعين سنة .
وإذا كان إهلاك قوم نوح عليه السّلام ، قد حصل بعد إمهالهم مع
معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 444
مساهمون: عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني
ص٤٤٤