نوح يوما من أيّام الإمهال الرّبّاني ، المعادل لنحو ألف سنة ممّا يعدّ الناس ، فقد جرى إهلاك أقوام من بعدهم بعد إمهالهم ساعات من هذا اليوم الرّبّاني .
وقد أسقط اللّه عزّ وجلّ الدّولة الشّيوعيّة الرّوسيّة العظمى ، بعد أن أمهلها قرابة أقلّ من ساعتين من ساعات أيّامه التي يعامل بمقتضاها عباده .
* وإمّا أن يقولوا أقوالا أخرى ، ولكلّ قول من أقوال أهل الكفر ردّ يسقطه ويظهر بطّلانه .
فمن الغباء ، وقلّة العقل ، مع انطماس البصيرة باتّباع الأهواء والشهوات ووساوس شياطين الإنس والجنّ ، أن يكون النّاس بسبب إمهال اللّه لهم ، في أمن من أن يجري فيهم سنّته التذكيريّة التأديبية أوّلا ، ثمّ الإهلاكيّة الشاملة المقرونة بعذاب شديد ، كما أجراها في أهل القرون السالفة .
إنّ سلوك الكافرين هذا سلوك يستثار حوله العجب الشديد ، ويوجّه له الاستنكار والتأنيب ، قبل تسليط عصا التأديب ، فقوارع الإهلاك الشّامل المقرون والمسبوق بعنيف من التعذيب .
*
أَ فَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخاسِرُونَ ؟ !
( 99 )
هذا الاستفهام نظير الاستفهامين في الآيتين السابقتين في دلالته ، إلّا أنّه يلفت النظر إلى قضيّة المكر الرّبّاني ، الّذي من عناصره أن يمهل اللّه عزّ وجلّ عباده ، وأن يزيدهم من عطاءات النّعم الوفيرة ، بعد أن يذكّرهم بعوارض البأساء والضّرّاء رغبة في أن يتضرّعوا ويتوبوا إلى بارئهم ، فإذا لم يفعلوا رفع اللّه عزّ وجلّ عنهم بحكمته هذه العوارض وأملى لهم ، وأمدّهم بوافر النّعم ، حتّى إذا تمادوا في غيّهم وإفسادهم في الأرض أخذهم بغتة بالعذاب الشديد ، وبالمهلكات الشّاملات ، فقطع دابرهم .