الضّروريّات للحياة ، فيتضرّعون للّه خاضعين متذلّلين داعين أن يكشف عنهم ما هم فيه من مصائب وشدائد ومكاره .
أمّا النّعم والمسرّات وتوالي أسباب الرّخاء ، وسعة الرّزق ، مع العافية والقوة والنشاط ، فإنّها تجعلها تغطّ في نوم عميق ، وتصرفها عن تذكّر محامد ربّها وشكر نعمه ، وتنسيها اللّه عزّ وجلّ وعدله ، وقوارع عقابه ونقمته ، وأنّه الّذي بيده مقاليد كلّ شيء ، وهو على كلّ شيء قدير ، فتنطلق بطرة مستكبرة أشرة فاجرة مفسدة في الأرض .
ومن سنّة اللّه في الأمم أنّهم إذا تضرّعوا لربّهم خاضعين داعين مستغفرين ، بعد أن ينزل بهم المصائب ليتذكّروا فيتضرّعوا ، أن يكشف عنهم ما ابتلاهم به من المصائب والمكاره ، وأن يجعل بدل المصائب التي ساءتهم نعما تسرّهم .
*
ثُمَّ بَدَّلْنا مَكانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ :
أي : وبعد مدّة متراخية استمرّت خلالها البأساء والضّرّاء الّتي هي سيّئة غير حسنة ، وهي من المكاره الّتي تسوء المبتلين بها ، بدّلنا موادّ الابتلاء ، فجعلنا الحسنة في مكان السّيّئة ، فكشفنا الجوع ، والمشقّة ، والفقر وضنك العيش ، وويلات الحرب ، والمكاره في الأموال والأنفس ، وجعلنا مكانها وفرة الأرزاق ، والرّاحة ، والغنى ، وسعة العيش ، والأمن ، والرّخاء ، والممتعات السّارّات ، وكلمة « الحسنة » عنوان عامّ يشمل كلّ هذه وأشباهها .
ويظهر أنّ كشف البأساء والضّراء عنهم قد كان استجابة لتضرعاتهم لربّهم .
وتحليل العبارة : ثمّ بدّلنا جاعلين في مكان السّيّئة الحسنة .
حَتَّى عَفَوْا :
أي : حتى كثروا بالمواليد والذّرية ، وهم أهل القرية الّذين ابتلاهم اللّه أوّلا بالسّيئة ، ثمّ رفعها وكشفها عنهم ، وابتلاهم بالحسنة .