تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 437

مساهمون:

ص٤٣٧
لكنّ هؤلاء الخلائف كانوا يفسّرون ما نزل بهم تفسيرا مقطوعا عن قصد حكيم ، من ربّ عظيم ، فيقولون : إنّها عوارض الدّهر وتقلّباته ، وظواهر طبيعيّة متكرّرة ، فمن ظواهر الطبيعة أن تأتي فيها البأساء والضّرّاء أحيانا ، ومن ظواهرها أن تأتي فيها النّعم والمسرّات وأسباب الرّفاهية والرّخاء ، وهذه الظواهر المتضادّة تتعاقب على الناس تعاقبا لا يدلّ علي تدبير وقصد من ربّ عليم حكيم قدير ، يفعل ما يشاء ويختار . فإذا بلغوا هذا الحضيض المنحطّ من الكفر الذي لا تردعهم معه الشدائد والمصائب ، ولا توقظ في أعماق قلوبهم ونفوسهم فطرة الإيمان ، ولا تحييها من سباتها ، رد اللّه عليهم أسباب النّعم الوفيرة ، وتركهم كذلك مدّة من الزّمن ، حتّى إذا زادوا في الطغيان والبغي ، ولم يستجيبوا لنصح ناصح ، ولا لتذكير مذكّر ، فاجأهم اللّه بعذاب شامل مهلك ، قصم به ظهورهم ، وقطع به دابرهم في الحياة الدّنيا ، ثمّ يردّون إلى أشدّ العذاب يوم الدّين . هذه السّنة من سنن اللّه عزّ وجلّ في عباده سنّة مستمرّة ، وتكون غفلة الناس عنها بسبب طول الأمد في النّعمة ، وبسبب ربط الظواهر الكونيّة بأسبابها الطبيعيّة القريبة المادّيّة ، دون النظر العميق إلى أسبابها الحقيقيّة الّتي تستند إلى حكمة الرّبّ الخالق في تصاريف الكون . * * * قول اللّه عزّ وجلّ :
وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ وَلكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْناهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ
( 96 ) :
وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى :
أي : ولو أنّ أهل المجمّعات السكنيّة للنّاس ، صغيرة كانت أم كبيرة ، ولو بلغت مدنا عظيمة جدّا ، مع لواحقها وتوابعها .
معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 437 | عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني