ذكرتم ما أنعم اللّه به عليكم من كونه بوّأكم في الأرض تتّخذون من سهولها قصورا ، وتنحتون الجبال بيوتا ، استطعتم أن تنقلوا بعد ذلك مباشرة إلى تذكّر آلاء اللّه الكثيرة ، الّتي تتقلّبون في نعمائها ، في أجسادكم ، وفي مزارعكم ، وفي أنعامكم ، وفي طعامكم وشرابكم ، وفي أمنكم ، وفي كلّ ما يفيضه عليكم من نعم فأنتم مطالبون بوضعها في ساحات تذكّركم المتلاحق حينا فحينا ، لتحمدوا اللّه عليها وتشكروه ، ولتعبدوه وحده ولا تشركوا به شيئا ، ولتطيعوه وتعملوا بمراضيه ، ولتتّبعوا رسوله ، وما أنزل إليكم من ربّكم .
الآلاء : هي النّعم ، واحدها « ألي » و « إلي » و « إلى » .
المقالة الثامنة : دلّت عليها عبارة :
. . وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ
( 74 ) :
أي : ولا تفسدوا في الأرض إفسادا شديدا منكرا .
العثوّ : أشدّ الفساد ، يقال لغة : عثي يعثى عثوّا وعثيّا وعثيانا ، أي :
أفسد إفسادا شديدا منكرا .
ويقال : عثا في الأرض يعثو ، أي : أفسد .
والإفساد : ضدّ الإصلاح ، ويكون الإفساد بجعل الشّيء الصالح لما هو المقصود به غير صالح له .
فقطع الأشجار على سبيل التّخريب ، هو من الإفساد في الأرض وإلقاء القاذورات والنجاسات والميكروبات الضارّة في مياه الشّرب أو بالقرب منها ، أو في أماكن سكن الناس ، أو في مجالسهم هو من الإفساد في الأرض ، وتخريب العمران لا لبناء ما هو خير منه ، هو من الإفساد في الأرض ، وقتل الأبرياء وظلم النّاس في أنفسهم أو أموالهم أو أعراضهم ، هو من الإفساد في الأرض .