وظاهر أنّ هذا « الادّعاء منهم ليس فيه إلّا الشّتيمة ، ومعلوم أنّ كلّ ادّعاء فيه تجريح واتّهام بنقيصة دون حجّة أو برهان ، هو من السّباب والشتائم » .
لقد قابلوا دعوة رسولهم المستندة إلى منطق العقل وحججه وبراهينه ، بالطّعن والتجريح والشتيمة ، مع أنّ مثل هذه المقابلة لا يفعلها عاقل منصف طالب حقّ .
الشتيمة الثانية : دلّت عليها عبارة :
وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكاذِبِينَ .
أكّدوا هذه الشتيمة الثانية بمثل ما أكّدوا به الشتيمة الأولى ، لكنّ اتّهامهم له بأنّه كاذب من الكاذبين قد اعتمدوا فيه على الظّنّ ، إذ ليس لديهم حجّة يقدّمونها صالحة لإثبات بطلان ما جاءهم به ، وإثبات صحّة ما هم عليه من شرك .
ولدى تحليل ظنّهم بالموازين الفكريّة السليمة نجده من قبيل الأوهام ، الّتي لا قيمة لها مطلقا ، فما يستمسكون به هو من قبيل التقليد الأعمى لما كان عليه آباؤهم وأجدادهم ، ومن بدهيّات العقول وأصول التفكير السّليم ، أنّ التقليد لا يصلح لأن يكون حجّة لإثبات أو نفي قضيّة عقليّة ، ولو طلبوا منه برهانا على صدق رسالته لقدّم لهم ذلك ولأقام عليهم الحجّة المفحمة .
* قول اللّه تعالى :
قالَ يا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفاهَةٌ وَلكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ ( 67 ) أُبَلِّغُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ ناصِحٌ أَمِينٌ ( 68 ) أَ وَعَجِبْتُمْ أَنْ جاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَصْطَةً فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ
( 69 )
في هذه الآيات الثلاث إيجاز لتسع مقالات محكمات أجاب بها هود عليه السّلام كفار الملأ من قومه الّذين شتموه بقولهم له :
إِنَّا لَنَراكَ