الأمر الثاني : وهذا هو الأهم ، أنّ كلّ عناصر رسالات المرسلين حقائق وتعليمات ربّانيّة ، يطلب من المكلّفين أن يتعلّموها ، وأن يتفهّموها ، ثمّ يطلب منهم أن يتعهّدوها بالتّذكّر حينا فحينا ، على مدى الأيّام والسنين ، وعند كلّ عمل يقتضي شيئا منها ، وعند كلّ عارضة ، تستدعي شيئا منها ، لتكون القاعدة الإيمانية حاضرة في الذّاكرة ، فتدفع المؤمنين بها إلى طاعة اللّه ، والتزام شريعته ، ولتكون أحكامها ووصاياها برامج ماثلة في الذّاكرة ، ونورا مبينا يهتدي به السّالكون في ظلمات الأهواء والشهوات ، ووساوس الشّياطين ، وتسويلاتهم ، وتضليلات المضلّين ، وليسترشد بها مقتحموا عقبات النّفوس والأهواء ومصاعب الحياة ، وما فيها من صنوف ابتلاء بالخير والشّرّ ، والنّفع والضّرّ ، وكلّ ما فيه فتنة لاختبار الصّبر واختبار الشّكر .
وطوى البيان في هذا النصّ عناصر المجادلة الإقناعية ، والإلزامية والإفحاميّة ، حول القضيّتين اللّتين تعجّب قوم نوح منهما ، وقد سبق بيانهما بتفصيل .
*
لِيُنْذِرَكُمْ وَلِتَتَّقُوا وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ
اشتملت هذه العبارة على بيان الغاية من إنزال الذّكر على نوح عليه السّلام ، وهي تتلخّص بثلاثة عناصر :
العنصر الأول : دلّت عليه جملة :
لِيُنْذِرَكُمْ :
أي : لينذركم بعقاب اللّه المعجّل والمؤجّل إذا لم تؤمنوا ولم تتّبعوا ما أنزل إليكم من ربّكم .
الإنذار : الإعلام بما هو مخوف منه ، والتحذير من مخوف منه مادّيّ أو معنويّ ، والإخبار بعواقب غير سارّة ، أو بعواقب مؤلمة ، كشرّ قادم ، أو عقوبة على مكتسب إرادي ، من قول أو عمل أو اعتقاد .
ولا يكون الإنذار في قضايا الدّين إلّا بعد البيان التعليميّ ، واتّخاذ الوسائل الإقناعيّة ، ولا يكون أيضا إلّا مصحوبا بالتّبشير بالعواقب السّارّة السعيدة لمن آمن وأطاع .