حقّ ، وهذه القضايا تقام عليها الأدلّة البرهانيّة ، والأدلّة الإقناعيّة ، كان البدء بطرح قضيّة الذّكر وما جاء فيه من حقائق هو الأسلوب الأجدى للإقناع ، أو للإلزام والإفحام .
فالرّبوبيّة وتوحيدها ، والإلهيّة وتوحيدها ، وصفات اللّه جلّ جلاله وعظم سلطانه ، الّتي منها علمه ، وحكمته ، وقضاؤه وقدره ، وقدرته على كلّ شيء ، وخلقه لكلّ شيء ، وعنايته بعباده ، ورحمته وعدله ، كلّها أمور معها أدلّتها العقليّة البرهانيّة ، وتشهد لها ظواهر الكون ، ومجريات الأحداث .
ومتى ظهر لهم أنّ ما يدعوهم إليه حقّ لا ريب فيه ، ولا شائبة تشوبه ، كان أمر إثبات نبوّته ورسالته ، وإثبات أنّه يبلّغ هذا الذّكر عن ربّه ، وإثبات أنّ اللّه عزّ وجلّ يوحي به إليه ، أمرا سهلا سبق التّمهيد الفكريّ له .
ونستفيد من هذا أنّ البدء بالإقناع حول مضمون القاعدة الإيمانيّة ، بالنسبة إلى قوم ليس لهم عهد قريب بالأنبياء والمرسلين هو الأمر الحكيم .
وهذا هو الذي اتّخذه نوح عليه السلام في مجادلته لقومه ، بمقتضى هذا النّصّ .
والمراد بالذّكر البيانات الرّبّانيّة الّتي كان ينزّلها اللّه عزّ وجلّ على نوح عليه السّلام ، بألفاظ تتلى وتفهم وتحفظ ، كسائر الصّحف والكتب الرّبّانيّة المنزّلة على بعض المرسلين .
وقد جاءت تسمية هذه البيانات الرّبّانيّة ذكرا لأمرين :
الأمر الأول : أنّ بعض عناصر رسالات المرسلين هي من الحقائق المغرورة في عقول الناس ونفوسهم وضمائرهم ، فهي لا تحتاج أكثر من كشف لها ، وتذكير بها .
معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 329
مساهمون: عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني
ص٣٢٩