إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي :
أي : إن كنت متمكّنا من حجّة قاطعة بيّنة آتيكم بها من ربّي ، كمعجزة باهرة ، أو براهين آسرة محاصرة .
وَآتانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ :
أي : وآتاني مع هذه البيّنة رحمة لكم من عنده ، هي الدّين ، وما فيه من تعليمات وبيانات ووصايا تتضمّن نجاتكم من عذاب اللّه ، وسعادتكم في دار كرامته .
أي : أفكّرتم في مضمون رسالات ربّي الّتي جئتكم بها ، والّتي هي رحمة عظيمة لكم ؟ فكّروا وأخبروني .
فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ :
أي : فأخفيت عليكم ، والتبس عليكم أمرها .
أَ نُلْزِمُكُمُوها وَأَنْتُمْ لَها كارِهُونَ :
أي : أنكرهكم على التزام هذه الرّحمة العظيمة ، الّتي هي دين اللّه الذي اصطفاه لكم ، والحال أنّكم كارهون قبولها والالتزام بما جاء فيها ؟ !
استفهام إنكاريّ ، أي : لا نلزمكم إيّاها ، ولا نجبركم عليها ، إذ أنتم في رحلة امتحان وابتلاء ، عن طريق اختيارتكم الحرّة ، والإكراه لا يعقل في الدّين ، القائم على الإيمان الّذي هو في جذره اختيار إراديّ قلبيّ ، ذو آثار في السّلوك الظّاهر .
القضيّة السادسة : دلّت عليها آية :
أَ وَعَجِبْتُمْ أَنْ جاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَلِتَتَّقُوا وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ
( 63 ) :
في هذه الآية تلخيص غاية في الإتقان البيانيّ والإيجاز ، مع ما فيه من إبداعات بلاغيّة .
لم يقل نوح عليه السّلام : إنّ رفضكم لرسالتي لا سند له من موازين الفكر ومحاكماته ، بل هو تعجّب قائم على إنكار ما لم تألفوا .
إنّما عرض هذا المعنى نفسه مغلّفا بصيغة استفهام ، فقال لهم :
أَ وَعَجِبْتُمْ ؟ !