ودلّنا حرف العطف بعد همزة الاستفهام في هذه العبارة ، على أنّه يوجد معطوف عليه مقدّر ذهنا بين الاستفهام وحرف العطف ( الواو ) ومن السّهل على المتدبّر أن يدرك هذا المحذوف المقدّر « 1 » .
إنّهم كرهوا ترك ما هم عليه ، واتّباع ما جاءهم به نوح عليه السلام ، وتعلّلوا لإنكار رسالته بإظهار التعجّب من أن يبعث اللّه بشرا رسولا .
ولمّا طووا في أنفسهم ما كرهوا ممّا يخالف أهواءهم ، وهو ماثل في أذهانهم وفي قلوبهم ، لم يذكره عليه السّلام في اللّفظ ، لكن أشار إليه بحرف العطف « الواو » فأظهر ما أظهروا ، وقدّر ما أبطنوا ، مكتفيا بالإشارة الخفيّة إليه ، وكان ذلك بذكر حرف العطف على معطوف عليه مقدّر ذهنا .
ولدى إظهار هذا المقدّر ذهنا أقول : أكرهتم ترك ما أنتم عليه ، واتّباع ما جئتكم به ، وعجبتم أن جاءكم ذكر من ربّكم على رجل منكم ؟ ! !
أمّا المتعجّب منه فقضيّتان :
القضيّة الأولى : أن يأتيهم ذكر من ربّهم .
القضيّة الثانية : أن ينزل هذا الذّكر على رجل بشر منهم ، ويكون هذا الرّجل رسولا للّه يبلّغ قومه الذّكر الّذي أنزله اللّه عليه ، ليبلّغه لقومه .
إنّ نوحا عليه السّلام لم يطرح في هذا البيان قضيّة نبوّته ورسالته ، بل طرح قضيّة الذّكر الّذي جاءهم به من ربّهم ، ليكون هذا الذّكر ساحة فكريّة معروضة للمناظرة والمجادلة حول عناصرها .
ولمّا كان الذّكر الّذي يبعث اللّه عزّ وجلّ به رسله مشتملا على قضايا
هامش
( 1 ) لدى تدبّري لكثير من النصوص القرآنية تكشّف لي أنّ العطف على محذوف مقدّر ذهنا لا يقتصر على ما يسمّيه النجاة « الفاء الفصيحة » بل كلّ حروف العطف قابلة لأن تكون فصيحة تفصح عن معطوف عليه محذوف ، والواو هنا من هذا القبيل .