وأبان لقومه في هذا أنّه رسول من ربّ العالمين جميعا ، ولفظ العالمين هنا مراد به ما سوى اللّه عزّ وجلّ ، فعليهم أن يصغوا إلى ما يبلّغهم عن ربّه ، ويتفكّروا فيه ، فربّ العالمين هو ربّهم الّذي لا ربّ لهم سواه ، وهو مالكهم والمتصرّف بمقاديرهم ، وكلّ حركاتهم وسكناتهم ، وكلّ ما يزداد فيهم أو ينقص ، وهو المحيي والمميت ، والممتحن والمحاسب والمجازي .
القضية الثالثة : دلّت عليها عبارة :
أُبَلِّغُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي :
أي :
أبلّغكم تباعا رسالات ربّي ، رسالة فرسالة ، بحسب ما ينزل عليّ ، ويكلّفني أن أبلّغكم إيّاه .
دلّت صيغة الجمع في كلمة
رِسالاتِ
على أنّ تنزيل البيانات الرّبّانيّة عليه ، قد كان على وفق سنّة التّدرّج نجما فنجما ، في أزمان متعدّدة ، وكلّ بيان منها كان رسالة مضافة إلى ما سبقها .
وبعد أن تجتمع الرّسالات كلّها ، ويكمل اللّه عزّ وجلّ الدّين لعباده ، تكون جميعها منضمّة في رسالة واحدة .
فالتّعدّد هو باعتبار تنجيم التنزيل في أزمان ، والإفراد هو باعتبار جمع النجوم وضمّها متكاملة في كتاب واحد ، هو الرّسالة الّتي بعث اللّه بها رسوله ، مضافا إليه ما أوحى به إليه من غير الكتاب المنزّل .
وقد جاء مثل هذا الاستعمال على لسان هود عليه السلام ، وعلى لسان شعيب عليه السّلام ، وقال اللّه عزّ وجلّ لموسى عليه السلام في سورة ( الأعراف ) هذه التي نتدبّر آياتها :
إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسالاتِي وَبِكَلامِي فَخُذْ ما آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ .
( 144 )
وفي هذه الآية قراءتان بالإفراد وبالجمع ، فروعي بعبارة :
بِرِسالاتِي
نجوم التّنزيل ، وروعي بعبارة برسالتي بالإفراد مجموع النجوم .