الطيّب من الأرض ما كان خصيبا حسن الإنبات . والخبيث من الأرض : ضدّ الطيّب . والنّكد : العسر الشحيح القليل النفع .
هذا بيان استدراكي لدفع توهّم أنّ جودة خروج النّبات في الأرض ترجع إلى سبب واحد ، هو إنزال الماء من السّماء عليها ، واختلاط هذا الماء بها ، إذ فيه بيان سبب آخر هو كون الأرض أرضا طيّبة صالحة لخروج النبات الجيّد فيها ، فإذا اجتمع السّببان معا ، وأذن اللّه جلّ جلاله بتحقيق المسبّب ، وهو خروج النبات الجيّد النافع ، خرج نبات الأرض جيّدا نافعا .
أمّا إذا كانت الأرض أرضا خبيثة غير صالحة لخروج النّبات الجيّد فيها ، فإنّ إنزال الماء الطّهور عليها لا يغيّر طبيعتها ، فلا يخرج نباتها إذا خرج إلّا عسرا شحيح العطاء قليل النّفع .
ويعطينا اللّه عزّ وجلّ بهذا البيان قانونا من قوانين سنن اللّه في كونه ، وهو أنّ السّبب قد يكون شرطا لازما لتحقّق المسبّب ، ولكنّه شرط غير كاف ، بل لا بدّ من وجود سبب آخر أو عدّة أسباب ، حتّى يتحقّق المطلوب ، فكلّ واحد منها شرط لازم غير كاف ، بل لا بدّ من اجتماعها حتّى يتكوّن منها جميعا السّبب الكامل لتحقيق النّتيجة المطلوبة .
إنّ رؤية السّبب النّاقص قد تكون رؤية خادعة ، توهم أنّه كاف لتحقّق النّتيجة المطلوبة ، فتوقع أفرادا كثيرين ، وجماعات متعدّدات في ورطات مهلكات ، أو محبطات لأعمال جليلات مضنيات .
وفي هذا البيان لفت أنظار المتفكّرين في آثار صفات اللّه في واقع حال الأرض ، وكيف جعلها اللّه جلّ جلاله على أقسام ، منها الطيّب ومنها الخبيث ، ولهما درجات ودركات ، فالطيّب منها متفاوت الدّرجات في الطيب ، والخبيث منها متفاوت الدّركات في الخبث .
ولدى تصنيف أنواع الأرض من جهة صلاحيّتها للإنبات ، وجودتها أو
معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 311
مساهمون: عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني
ص٣١١