في هذا البيان استفادة من ظاهرة متكرّرة الشهود ، ليقيس أولو الألباب عليها أمرا غيبيّا سوف يحدث مستقبلا ، بقضاء اللّه وقدره ، وقد أنبأ اللّه به ، وجعله عنصرا من عناصر أركان العقيدة الإسلامية ، إنّه نبأ البعث بعد الموت .
أي : كذلك الإخراج الذي نخرج به النباتات من بزورها ، ونوياتها الصّغرى المنبثّة في الأرض ، سوف نخرج الموتى ، فنحييهم ونبعثهم من الأرض الّتي احتفظت بنويات نشأتهم الأخرى ، إذ ينزل اللّه جلّ جلاله وعظم سلطانه ، على الأرض ماء خاصّا يبعث به الموتى من القبور ، فتتنامى النّويات كما تتنامى الأشجار من بزورها ، وفي نواة كلّ ميّت خريطة نفسه وجسده ، فإذا نما ونفخت فيه روحه ، رجع كما كان في الحياة الدنيا قبل الموت ، ولكن بظروف حياة أخرى ، هي حياة يوم الدّين .
لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ :
أي : أعلمناكم بهذه الحقيقة راغبين في أن تتفهّموها ، وتحفظوها ، وتتذكّروها دواما ، فإذا شئتم لأنفسكم النّجاة من عذاب النار ، والفوز بجنّات النّعيم ، اتّبعتم ما أنزل إليكم من ربّكم ودعاكم للالتزام به من إيمان وعمل .
كلمة : لعلّ : تستعمل للتّرجّي ، وللتعليل ، وهي بالنّسبة إلى اللّه جلّ جلاله يلائمها من المعاني الرّغبة ، والحبّ ، والرّضى .
فاللّه تبارك وتعالى يحبّ لعباده أن يختاروا لأنفسهم الإيمان والعمل الصّالح ، ويرغب لهم أن يتذكّروا دواما ما فيه نجاتهم وسعادتهم ، ولا يرضى لعباده الكفر ، ولا يرضى لعباده الفسوق والعصيان ، لكنّه لا يجبرهم .
* * * *
وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَباتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِداً كَذلِكَ نُصَرِّفُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ .
( 58 )