أمّا الترتيب فظاهر ، وأمّا التعقيب فيوضحه سوق السّحاب الثقال بالماء لبلد قريب ميّت متلهّف للماء ، أي : إنّ العناية الرّبّانيّة قد تلبّي الحاجة بسرعة دون إبطاء .
أمّا جملة :
فَأَخْرَجْنا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ ،
فالتّعقيب هنا يراد به تعقيب تتابع الأسباب التي يحصل بها الإنبات ، ولمّا كانت هذه الأسباب تأتي تباعا سببا بعد سبب دون فراغ زمنيّ بين تواليها ، إذ الماء يتخلّل التراب ، فيصل إلى البزور ، فيدخل فيها شيئا فشيئا ، وتبقى الأسباب تعمل دون إبطاء ، حتّى تنبت البزور ، فتنمو فتتكامل شيئا فشيئا ، فتخرج الثمرات المختلفات ، وكلّ ذلك يكون متتابعا متواصلا .
ولما كان الأمر الواقع كذلك ، كان من الدّقّة البالغة في الأداء البياني استعمال الفاء الدالّة على الترتيب مع التعقيب هنا .
ونلاحظ أيضا في قول اللّه تعالى :
فَأَخْرَجْنا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ
قضيّتين :
القضيّة الأولى : ذكر الثمرات الّتي هي آخر مرحلة من مراحل حركة النبات ، ليدلّ ذكره على المراحل السّابقة ، وهي تدرك بالمشاهدة ، فلا داعي للتصريح بها .
القضيّة الثانية : دلالة حرف « من » الدّال على التبعيض ، أي : فأخرجنا به بعضا من كلّ الثمرات ، فدلّ هذا على أنّ بعض البزور أو الجذور لا تنبت بالماء ، لعوارض تعرّضت لها .
وهكذا ظهرت لنا الدّقّة التّامّة في الأداء البيانيّ الذي اشتمل عليه هذا النصّ القرآني .
*
. . كَذلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ
( 57 ) :