تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 308

مساهمون:

ص٣٠٨
ونلاحظ أيضا أنّ الآية هنا قد جاء فيها بيان إرسال الرّياح بصيغة الفعل المضارع « يرسل » للدلالة على حركة الإرسال المتكرّرة المتجدّدة مع الأزمان ، أخذا من دلالة صيغة الفعل المضارع ، وللفت الأنظار إلى ما سيحدث . وجاء في سورة ( الفرقان / 25 مصحف / 42 نزول ) استعمال الفعل الماضي في بيان هذا الإرسال ، للفت أنظار المتفكّرين إلى هذه الظاهرة من آيات اللّه الكونيّة بعد وقوعها فعلا ، فقال اللّه عزّ وجلّ فيها :
وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً طَهُوراً ( 48 ) لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنا أَنْعاماً وَأَناسِيَّ كَثِيراً .
( 49 ) فالنصّان متكاملان حول موضوع واحد ، وقد وزّعت أفكار الموضوع عليهما ، وليسا بمكرّرين . ونلاحظ أيضا أنّ اللّه تعالى قال :
سُقْناهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ
ولم يقل سقناه إلى بلد ميّت ، للإشارة إلى أنّ السّحب الّتي تموج في سماء إقليم ضمن أنظمتها السّببيّة بالعلم والإذن الرّبّاني ، قد تتدخّل عناية اللّه فيرسل الرّياح ، فتسوق السّحاب الثّقال بالماء للبلد المقصود بالعناية ، وهو بلد قريب ، فينزل به الماء ، وقد لا ينزله في بلد آخر مجاور له ، وربّما كانت السّحاب الثقال بالماء موجودة فوقه ، فاللّام تستعمل غالبا للقريب ، و « إلى » تستعمل غالبا للبعيد . إنّها قضيّة أرزاق ، تتدخّل فيها العناية الخاصّة ، والإرادة الرّبّانيّة تدخّلا مباشرا . البلد والبلدة : تطلقان على الأرض ، سواء احتوت على مساكن أم لم تحتو على مساكن . ونلاحظ أيضا العطف بالفاء الّتي تدلّ على التّرتيب مع التعقيب ، في جملتي :
فَأَنْزَلْنا بِهِ الْماءَ ،
فَأَخْرَجْنا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ .