تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 313

مساهمون:

ص٣١٣
إنّ من الأرض ما هي طيّبة لزراعة صنف من أصناف النباتات ، لكنّها ليست كذلك لزراعة صنف آخر . وإنّ الأرض السّبخة الّتي لا يخرج فيها النّبات إلّا خروجا نكدا عسرا ، قد تكون صالحة ذات نفع عظيم لمصالح أخرى يحتاج إليها الناس ، غير حاجتهم لاستنبات الزّروع ، واستخراج الثمار . فالتنويع في الأرض اختيار في الخلق اقتضته حكمة مطابقة المخلوقات المتنوّعة ، للحاجات المتنوّعة لدى الأحياء ، ولا سيّما الناس . وهذا من نعم اللّه على عباده ، ونعم اللّه على العباد تستوجب منهم أن يشكروه ، فقال تعالى :
. . كَذلِكَ نُصَرِّفُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ .
( 58 ) أي : مثل ذلك التصريف في أنواع الأرض والتنويع فيها ، نصرّف وننوّع الآيات في كلّ أشياء الكون ، لتكون دالّات على الرّحمة بهم ، والعناية بتهيئة مطالب حياتهم المختلفة والمتنوّعة . أمّا المؤمنون الّذين لديهم الاستعداد لشكر اللّه على نعمه ، فهم الّذين يستفيدون من ملاحظة هذه الآيات ، ويسعون آنا فآنا لأداء واجب شكر اللّه على نعمه ، وفضله على عباده . *
وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَباتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ :
أي : والأرض الطيّبة الصالحة للنّبات ، يخرج نباتها خروجا هيّنا ليّنا سويّا صالحا ، ضمن نظام النّبات السّويّ ، وبحسب استعدادها في عناصرها ومناخها لنوع النّبات . وهذا الخروج ضمن قوانين اللّه وسننه النابتة في كونه ، إنّما يخرج بإذن ربّه ، الّذي يربّيه وينمّيه ويرعاه ، والإذن الرّبّانيّ مقترن بشمول علم اللّه لكلّ شيء . وهذا يدلّ على أنّ قوانين الكون الثابتة إنّما تؤدّي وظائفها ، وتتحقّق بها آثارها ضمن حدود أسبابها ، بإذن اللّه وعلمه المهيمن على كلّ صغير وكبير في الوجود .