*
سُقْناهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ :
يتحدّث ربّنا بضمير المتكلم العظيم ، أي سقنا السّحاب ، أعيد الضمير المذكّر على السّحاب ، لأنّ لفظ « السّحاب » يذكّر ويؤنّث ، أو سقنا الماء الّذي تحمله السّحاب ، وهذا فيما أرى أولى .
والبلد الميّت : هي الأرض الّتي لا نبات فيها ، ولا خضرة ولا نضرة ، فهي كالجسد الميّت .
*
فَأَنْزَلْنا بِهِ الْماءَ :
وهنا يتحدّث ربّنا بضمير المتكلّم العظيم أيضا ، إشارة إلى عظمة ربوبيّته في تصاريفه الحكيمة رحمة بالعباد ، أي :
أنزل اللّه جلّ جلاله بعظمة روبيّته بالبلد الميّت الماء من السّحاب .
*
فَأَخْرَجْنا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ :
أي : فأخرجنا بعظمة الرّبويّة وسلطانها ، بالماء من كلّ الثمرات ، وهي ثمرات النباتات المختلفات المنتشرات هي أو جذورها أو بزورها في الأرض الّتي أنزل بها الماء .
إنّ الماء سبب من الأسباب الّتي جعلها اللّه عزّ وجلّ مادّة لإنبات النباتات وإخراج الثّمرات ، في عالم الأسباب والمسبّبات ، واللّه جلّ جلاله هو منبت النّبات ، ومخرج الثمرات المختلفات .
ونلاحظ في هذا البيان الرّبّانيّ ، أنّ إرسال الرّياح بشرا « أو نشرا أو نشرا أو نشرا » بين يدي رحمة اللّه ، أمر يتم بأمر اللّه وخلقه ، وتوجيه قدرته ، إنفاذا لإرادته الّتي اقتضتها حكمته المقترنة بعلمه المحيط بكلّ شيء ، أي : وليس مجرّد حركة سببيّة في الكون ، تتمّ بعلمه وإذنه ، بل هو أمر تتدخّل فيه الإرادة الرّبّانيّة أمرا ، وإرسالا لتحقيق أمر مقصود ابتداء .
ولولا تدخّل الإرادة الرّبّانيّة الخاصّة ، لبقيت الرّياح ضمن نظام الإرادة العامّة ، تتحرّك بعلم اللّه وإذنه ، ولهذا قال اللّه عزّ وجلّ :
وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ .
إنّ قضيّة رزق العباد وتوجيه أسبابه تتدخّل الإرادة الرّبّانيّة بقسمته بعناية خاصّة .