وبما أنّه هو ربّهم الّذي لا شريك له فقد تكفّل بتهيئة أسباب رزقهم ، ومنها أنّه جلّ جلاله خلق في ذواتهم ما يقدرون به على تحصيل أرزاقهم ، ممّا هيّأ لهم في الأرض من نبات وحيوان .
أمّا النبات فقد هيّأ لهم أسبابه بزورا وتربة منبتة ، وشمسا تمدّ بالطّاقة الحراريّة التي لا بدّ منها بحسب نظام اللّه السّببيّ لظهور النّباتات ونموّها .
ومن هذه الأسباب الماء ، وقد جعل اللّه عزّ وجلّ للماء في الأرض خزّانا عظيما محفوظا من التغيّر بما جعل فيه من أملاح ، إنّه البحار في الأرض ، وقد جعل اللّه عزّ وجلّ نظاما عجيبا دائب العمل لتحلية الماء المخزون في البحار المالحة حتّى يكون صالحا للنّبات ، وسقيا للدوابّ والناس .
هذا النظام قائم على أسباب التّبخّر بالحرارة ، والحمل بالرّياح ، والتجميع بالسّحاب ، والسّوق في جوّ الأرض بالرّياح ، وتلقيح نويات ذرّات الماء في السّحاب بوساطة ما تحمله الرّياح من ذرّات لقاح .
ويأتي الأمر الرّبّانيّ بسقيا بلد ميّت ، فينزل اللّه الماء به ، فتشرب الأرض والأنعام والناس وكلّ ما يدبّ على الأرض من أحياء ، فيخرج به اللّه من كلّ النّباتات ذوات الثمرات المختلفات ، بحسب ما في الأرض من جذور وبزور ، والّتي سقاها اللّه بالماء المحلّى الذي أنزله غيثا من السّحاب .
وهكذا كان تدبير اللّه في الأرض بربوبيّته الحكيمة ، رزق الناس وسائر الأحياء ، ضمن نظامه السّببيّ في عالم الأسباب والمسبّبات ، فتبارك اللّه أحسن الخالقين .
فقول اللّه تعالى :
وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ
وفي القراءات الأخرى : [ نشرا - نشرا - نشرا ] يتضمّن لفت نظر المتفكّرين إلى آثار من آثار ربوبيّة اللّه لعباده ، وهي إرسال الرّياح لأداء وظيفة من وظائفها ، تتعلّق بتدبير اللّه أرزاق العباد ، رحمة بهم .