التّدبّر :
*
وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ :
أي : وربّكم اللّه هو الّذي يرسل الرّياح مبشّرة برحمة اللّه عباده بالغيث ، ويرسلها ناشرة السّحب واللّقاحات وغير ذلك من أمور تتحقّق بنشرها منافع ومصالح كثيرة للعباد .
إنّ للرّياح وظائف متعدّدة وكثيرة ، وهي حينما تؤدّي وظيفة ما من وظائفها في الكون ، فإنّها تقدّم دلالة للمتفكّرين على بعض صفات مرسلها بحكمته ، إذ هو الخالق الرّبّ القدير العليم الحكيم الرّحمن الرحيم ، اللّطيف الخبير ، المنتقم الجبار إلى غير ذلك من صفات الكمال التي هي له ، والّتي له بها الحمد كلّه .
وقد وزّع اللّه عزّ وجلّ بيان كثير من وظائف الرّياح في الكون على نيّف وعشرين نصّا وسورة ، لأنّ ظاهرة الرّياح في الكون من الظاهرات الكبرى الّتي تستدعي لفت أنظار المتفكرين إليها ، مع التّنبيه على أنواعها ووظائفها المختلفة ، بصورة مجزّأة مفصّلة ، لا بصورة عامّة ومجملة .
فمن وظائفها أنّها تحمل للناس الإنعام والإكرام ، ومن وظائفها أنّها تأتي بنذر القهر والانتقام .
والنّصّ هنا في هذا الدّرس من دروس السورة ، يلفت أنظار المتفكّرين إلى بعض ما تحمل الرّياح من إنعام اللّه جلّ جلاله على عباده رحمة بهم ، في تلبية أجلّ مطالبهم في الحياة ، ألا وهي قضيّة الرّزق وتيسير أسبابه .
إنّ سوق الأرزاق للعباد ، وتهيئة وسائلها وأسبابها في تصاريف الكون ، هو من الصّفات الرّبّانيّة ذوات الآثار المتجدّدة المتكرّرة في الظّاهرات الكونية ، فاللّه جلّ جلاله هو الممدّ بأسباب بقاء الأحياء أحياء ، وقد جعل سبحانه استمرار حياتهم المقدّرة بقضائه وقدره لكلّ منهم مرتبطا بأرزاقهم ،