الأصل الثالث من أصول عبادة العباد لربّهم ، وهو التّقرّب إلى اللّه بمحابّه ، فاللّه جلّ جلاله يحبّ من عباده أن يدعوه ، ما تجدّدت لديهم مطالب من محور الخوف ، أو من محور الطّمع ، إذ الدّعاء هو التّعبير الدائم عن صحّة الإيمان ، وصدق التوجّه للّه ، ولهذا جاء في أقوال الرسول صلى اللّه عليه وسلم أنّ الدّعاء من العبادة ، أو هو مخّ العبادة .
وفي سورة ( الأنبياء / 21 مصحف / 73 نزول ) ذكر اللّه عزّ وجلّ طائفة من الرّسل ، وبعد ذلك أثنى عليهم بقوله تعالى :
. . إِنَّهُمْ كانُوا يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وَيَدْعُونَنا رَغَباً وَرَهَباً وَكانُوا لَنا خاشِعِينَ .
( 90 )
القضيّة الخامسة : هي قضيّة ترغيبيّة في أن يكون المؤمن في عبادته لربّه من المحسنين ، الّذين ارتقوا فوق سقف مرتبة التّقوى ، واجتازوا سقف مرتبة البرّ ، ودخلوا في درجات مرتبة الإحسان .
وقد دلّ على هذه القضيّة الترغيبيّة قول اللّه تعالى :
. . إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ
( 56 ) :
أي : إنّ اللّه عزّ وجلّ يفيض عطاءات رحمته دون إبطاء لعباده المحسنين ، لأنّ رحمته جلّ جلاله وعظم سلطانه قريبة منهم . وكلّ عمل من أعمال العبادات للّه ، ومنها عبادة الدّعاء ، له ثلاث مراتب : مرتبة التقوى ، ومرتبة البرّ ، ومرتبة الإحسان .
والإحسان هو أعلى المراتب الّتي يرتقي إليها الصالحون المؤمنون ، ودون مرتبة الإحسان مرتبة البرّ ، وهي التوسّع في مراضي اللّه من النّوافل ، ودون مرتبة البرّ مرتبة التقوى ، وتتحقّق التّقوى بفعل ما أمر اللّه به إلزاما ، وترك ما نهى اللّه عنه إلزاما .
أمّا الإحسان الذي هو أعلى المراتب ، فهو أن تعبد اللّه كأنّك تراه .
* * *