وشرّ المفسدين في الأرض الّذين يسعون في هدم عقائد الإيمان الصّحيح باللّه واليوم الآخر ، وإكراه النّاس على ترك عبادة اللّه جلّ جلاله ، وإلزامهم بعبادة غيره . ونشر الفسق والفجور وأنواع الفواحش ، والمجاهرة الوقحة بمعصية اللّه ورسوله .
وبهذا البيان الرّبّانيّ نلاحظ أنّ الأمر بعمران الأرض ، والنّهي عن الإفساد فيها بعد إصلاحها ، من قضايا الدّين الذي اصطفاه اللّه للنّاس منذ عهد آدم حتّى خاتمة رسالاته لعباده ، ببعثة محمّد صلى اللّه عليه وسلم وبما أنزل عليه وأوحى به إليه .
وبالتأمّل نلاحظ أنّ العمل في استصلاح الأرض على ما يرضي اللّه عزّ وجلّ ، واجتناب الإفساد في الأرض لما استصلح منها ، يدخل بعضه في الأصل الثاني من أصول عبادة العباد لربّهم ، وهو طاغة اللّه جلّ جلاله ، بفعل ما أمر به أو أمر به رسوله صلى اللّه عليه وسلم إلزاما ، وترك ما نهى عنه أو نهى عنه رسوله إلزاما . ويدخل بعضه الآخر في عموم الأصل الثالث من أصول عبادة العباد لربّهم ، وهو التّقرّب إلى اللّه عزّ وجلّ بمحابّه من أفعال وتروك ولو لم يكلّفنا التزامها .
القضيّة الرابعة : دلّ عليها قول اللّه تعالى :
وَادْعُوهُ خَوْفاً وَطَمَعاً :
إنّ الأمر بدعاء اللّه الرّبّ جلّ جلاله ، الّذي جاء في القضيّة الأولى ، قد كان موجّها لبيان أدب الدّعاء ، وهو أن يكون مصحوبا بتضرّع وتذلّل للرّبّ الخالق المنعم المتفضل ، وأن يكون مناجاة له في السّرّ ، دون صياح وضجيج ورفع صوت ، إلّا في بعض أحوال خاصّة يقصد بها إشراك الجماعة ، وتبليغهم عبارات الدّعاء ، حتّى يردّدوها في السّرّ ، أو يؤمّنوا عليها ، فيقولوا : آمين .
أمّا قول اللّه تعالى :
وَادْعُوهُ خَوْفاً وَطَمَعاً
فهو موجّه لبيان