تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 295

مساهمون:

ص٢٩٥
وقد اشتمل النّصّ في هاتين الآيتين ( 55 و 56 ) على بيان أربع قضايا تعليميّة يطالب اللّه عباده باتّباعها ، وعلى قضيّة ترغيبيّة وعد اللّه فيها بأن تكون رحمته قريبا من المحسنين . القضيّة الأولى : دلّ عليها قول اللّه تعالى :
ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً :
ادْعُوا :
أي : اسألوا واطلبوا ، يقال لغة : دعاه يدعوه دعاء ودعوى ودعوا ودعوة ، أي : سأله ورغب إليه وطلب منه .
رَبَّكُمْ :
أي : اللّه الذي سبق بيان بعض آياته في خلقه ، فهو خالقكم والمهيمن عليكم دواما بربوبيّته التي سبق شرحها .
تَضَرُّعاً :
التّضرّع هو التّذلّل والخضوع ، وأصله من خفض ولد ذات الضّرع كالحمل والفصيل رأسه لضرع أمّه حتّى يرضع من ثدييها ، وهي عندئذ تحنّ عليه فيدرّ لبنها .
وَخُفْيَةً :
الخفية والخفية بضمّ الخاء وكسرها ، الإسرار ، فمن أدب الدّعاء للّه عزّ وجلّ أن يكون دعاء في السّرّ ، لا في الجهر ، لأنّ الإسرار بالعبادة أبعد عن الرّياء المحبط للعمل ، ولأنّ اللّه جلّ جلاله عليم بمطالب عباده الخفيّة ، سميع لهمساتهم مهما كانت خافتة ، لا يخفى عليه من دعائهم شيء ، فمن الأدب مع اللّه أن يسارّوه ويناجوه فيما يدعونه به . والمعنى : اسألوا اللّه الّذي هو ربّكم يمدّكم دواما بعطاءات ربوبيّته ، في كلّ أموركم ، سواء منها ما تجدون أسبابه مسخّرة لكم بيسر ، أم لا تتيسّر لكم أسبابه ، فهو خالق الأسباب والمسبّبات ، ودعاؤكم له هو أوّل تعبير تلقائيّ عن عبادتكم له ، متى صحّ إيمانكم به ، وبأنّه مالك كلّ شيء ، وبأنّه المتّصرّف بخلقه ، وبأنّه لا يكون شيء في الوجود إلّا بأمره وخلقه ، أو بإذنه وتمكينه وتسخيره للأسباب ، وبهدايته ومعونته . والعبادة للّه عزّ وجلّ ترجع إلى ثلاثة أصول أساسيّة .