تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 292

مساهمون:

ص٢٩٢
لفظ « الخلق » هو في الأصل مصدر « خلق » . ويطلق على المخلوق ، وبدخول « ال » الاستغراقية صار لفظ « الخلق » يعمّ كلّ المخلوقات ، أي : كلّ الكائنات سوى اللّه عزّ وجلّ . ويلزم عقلا من كون اللّه عزّ وجلّ مالكا كلّ ما في الوجود سواه ، لأنّ كلّ ما في الوجود خلق من خلقه ، أن يكون له وحده كلّ الأمر . ويعمّ لفظ « الأمر » أمر التكوين إيجادا وإعداما ، وتحريكا وإسكانا ، وتصريفا وتبديلا وتحويلا ، وجمعا وتفريقا ، وغير ذلك من تصاريف . ويعمّ لفظ « الأمر » أمر التكليف لذوي الطاعة بالفطرة ، وهم الملائكة ، ولمن مكّنهم جلّ جلاله بمقتضى الأسباب والمسبّبات ، من طاعته ومعصيته ، بما سخّر لهم ، إذ خلقهم ليمتحنهم فيما آتاهم ، وهم فيما أعلمنا اللّه عزّ وجلّ الإنس والجنّ . وبما أنّ أمر التّكليف هو في الأصل له وحده سبحانه ، فإنّ على عباده ذوي العلم ، أن يطيعوه في أوامره ونواهيه ، وأن يطيعوا من يأمرهم بطاعته ، وأن يعصوا من يأمرهم بمعصيته ، فهذا حقّ الخالق المالك على عباده بداهة . * وبما أنّ الإنس والجنّ ذوو إرادات حرّة ، لحكمة الابتلاء المستتبع للحساب وفصل القضاء وتحقيق الجزاء ، فإنّ عليهم أن يحقّقوا عبوديّتهم للّه بإرادتهم الحرّة ، في طاعتهم لأوامره ونواهيه ، ليجتازوا رحلة امتحانهم بنجاح ، فينالوا ما وعدهم به ربّهم من ثواب جزيل يوم الدّين في جنّات النّعيم ، وحياة طيّبة في الدّنيا ، ويحموا أنفسهم من عقاب اللّه وعذابه . ومن تحقيق عبوديتهم له ، أن يتّبعوا ما أنزل إليهم منه ، إذ هو وحده ربّهم ومالكهم ومالك أمرهم كلّه ، وأن لا يتّبعوا منه دونه أولياء .
معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 292 | عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني