تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 289

مساهمون:

ص٢٨٩
*
يَطْلُبُهُ حَثِيثاً :
أي : يطلب النّهار اللّيل ليغشاه ، حالة كونه حثيثا . الحثيث : المسرع الجادّ في أمره ، المتابع لما يطلبه . وفي جعل النّهار طالبا بجدّ وسرعة أن يغشى اللّيل ، مجاز قائم على تشبيه ظاهرة حركة النّهار السّاتر لظلمة اللّيل بضيائه ، بمتابع حيّ يطلب طريدته بجدّ وسرعة ، كملاحقة الجيش المنتصر أواخر صفوف الجيش المنهزم . وقد اكتشف الناس ببحوثهم العلميّة أنّ ظاهرتي اللّيل والنّهار في الأرض ناتجتان عن كون الأرض قطعة شبه كرويّة ، تسبح في الفضاء على مدار حول الشّمس ، فتنهي دورتها عند نقطة البدء في عام شمسيّ كامل ، وهكذا تسير دأبا ، وتدور أيضا حول نفسها كلّ يوم دورة كاملة ، فما يواجه الشّمس منها في دورتها حول نفسها يظهر فيه النهار ، وكلّما انعدمت المواجهة في جزء منها يظهر فيه اللّيل . واندهش الباحثون العلميّون لدى دراسة هاتين الظّاهرتين من الظّواهر الكونيّة ، لما في أسبابهما من الدّقّة العجيبة ، الّتي أحكمت حجم الأرض بالنّسبة إلى الشّمس ، وأحكمت المدار الّذي تدور فيه الأرض حول الشّمس ، وأحكمت سرعة سيرها في مدارها ، وسرعة دورانها حول نفسها ، حتّى كان اللّيل والنّهار بهذا الإتقان العجيب ، الملائم للحياة على الأرض ، والملائم لمصالح الأحياء عليها ، وكانت السّنة الشّمسيّة بفصولها الأربع . هذه الدراسة الإنسانيّة كشفت لنا الحكمة من توجيه أنظار الناس في القرآن المجيد ، للتّفكّر في هاتين الآيتين العجيبتين من آيات اللّه في كونه . ولمّا كان النهار هو الذي يهجم على اللّيل ليغشاه فيستره بضيائه ، إذ يبدو للأنظار أنّ الشّمس متى أشرقت سترت اللّيل ، وإذا غربت ذهب النّهار وظهر اللّيل . ولمّا كانت الحركة حركة دائبة بتتابع على توالي الأيّام
معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 289 | عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني