وأحسن بيان حول الاستواء الذي وصف اللّه عزّ وجلّ به نفسه ، ما قاله الإمام مالك رحمة اللّه : « الكيف غير معقول ، والاستواء غير مجهول ، والإيمان به واجب ، والسّؤال عنه بدعة » .
العرش : مخلوق أعظم فوق السماوات السّبع ، ومحيط بها .
*
يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً :
أي : يجعل اللّه النّهار يغشى اللّيل فيستر سواده بنوره ، والمراد بالنهار ضياء الشّمس الّذي يمتدّ على الأرض ، فيحدث به ما يسمّى بالنّهار .
فعل [ يغشي ] ينصب مفعولين وهو بمعنى « يغطّي ويستر » تقول : غشي النّهار اللّيل ، إذا ستره ، وأغشى اللّه اللّيل النّهار ، أي : جعل النّهار يستر اللّيل .
وحين نتفكّر في حقيقتي اللّيل والنّهار ، نجد أنّ اللّيل مظهر من مظاهر غروب ضياء الشمس عن الأرض ، فتعمّ بانعدام ضياء الشّمس الظلمة الّتي نسمّيها بعد غروب الشّمس ليلا .
وهذا يدلّ على أنّ الظّلمة هي الأصل في الأشياء ، وأنّ الضّياء أو النّور هو الّذي يغشى الظّلمة فيجلّلها ويسترها ، وكلّما ذهب غطاء الضّياء أو النّور وجدت الظّلمة في الأشياء ، لأنّها هي الأصل فيها . ولمّا كان مصدر الضّياء في الأرض خلال النّهار آتيا من الشّمس ، إذ تكون مواجهة لقسم منها ، وكانت الأرض ذات ظلمة ذاتيّة مستمرّة فيها ، إلّا إذا وصل إليها ضياء أو نور من جهة ما ، وهذه الجهة ذات ضياء أو نور ، كان علينا أن نفهم أنّ النّهار هو الّذي يغشى اللّيل فيستره ويغطّيه ، لأنّ الغشاء هو الغطاء السّاتر .
هذه الظاهرة الكونيّة هي من آيات اللّه في كونه ، وهي تدلّ على علم اللّه العظيم ، وحكمته الجليلة في إتقان الخلق ، وتدلّ على عنايته بخلقه سكّان الأرض ، إذ سخّر لهم اللّيل والنّهار تسخيرا يحقّقون به مصالحهم وكثيرا من شؤون حياتهم في الأرض .