أقول :
لنضرب مثلا تاجرين سافرا من بلدهما ، وحملا معهما رأس مالهما كلّه ، لم يدعا منه شيئا ، وانطلقا في رحلة تجاريّة إلى بلد بعيد ناء جدّا ، وإقامتهما في هذا البلد إقامة قليلة محدودة بحدود ما يشتريان به بضاعة تجاريّة ، يمكن أن يحقّق كلّ منهما فيها ربحا يقدّر بآلاف آلاف الأضعاف وفوق ذلك ، إذا شحناها إلى بلدهما ، الّذي هو مكان إقامتهما الدّائمة الباقية .
أمّا أحدهما ، فوجّه اهتمامه وعنايته لجمع النّفائس الّتي يتحقّق بها ربح عظيم ، تبلغ الذّرّة التي بذلها في الشّراء قناطير مقنطرة ربحا عند البيع .
فجعل يشتري منها ، ويشحنها إلى بلده تباعا مضمونة الوصول .
وأمّا الآخر ، فوجد في بلد الرّحلة التجارية ذات الإقامة المحدودة جدّا ، والقصيرة جدّا ، مدينة ألعاب وملاهي ومساخر ، وفيها دور رقص وغناء ، وأماكن تسلية وضحك ، وحانات خمر وفجور ، وفيها بعض أماكن لتناول ملذّات المآكل والمشارب وغيرها .
وفي مدينة الألعاب والملاهي هذه ما يستهلك كلّ مدّة إقامته ، وكلّ رأس ماله ، فدخل إليها ، وأنفق رأس ماله فيها ، وشغل كلّ مدّة إقامته داخلها ، ولم يوجّه اهتمامه لجمع ما يشحنه لبلده من سلع تجاريّة ذات ربح عظيم ، وإن جمع شيئا ما صادفه عرضا فهو شيء قليل القيمة لا يحقّق له ربحا .
أفلا يصحّ أن يقول أهل البصر العقلاء : إنّ هذا الرّجل قد غرّته مدينة الألعاب والملاهي ، عمّا سافر من أجله ، فقضى رحلته فيها ، وعاد إلى بلده خائبا خاسرا فاقدا رأس ماله ؟ ! !
هكذا نحن في الحياة الدنيا ، إنّ رأس مالنا فيها عمرنا وطاقاتنا ،
معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 261
مساهمون: عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني
ص٢٦١