والكافرون يعتقدون أنّ الاشتغال ببعض العبادات الدّينيّة الرّبّانية هو من اللّهو ، لأنّهم لا يجدون لكثير منها ثمرة عاجلة ، وهم لا يؤمنون بيوم الدّين ، وما فيه من جزاء ، فيتصوّرون أنّ صرف شيء من طاقاتهم فيها ضرب من اللّهو الّذي يصرفهم ويشغلهم عمّا ينبغي أن يوجّهوا طاقاتهم وأنواع جهدهم له ، من مال يكسبونه ويجمعونه ، ومتاع من متاع الحياة الدّنيا يحقّقون به لذّاتهم وشهواتهم ورغباتهم ، وغير ذلك ممّا هو من زينة الحياة الدنيا .
يقال لغة : لها يلهوا لهوا بكذا عن كذا . ويقال : التهى يلتهي التهاء .
ويقال : ألهاه ذلك ، إذا شغله ، والتّلهّي : التّشاغل .
وطلّاب الدّنيا تلهيهم دنياهم عن أمور آخرتهم أو ما يسعدهم فيها .
اللّعب ضدّ الجدّ ، ويقال لكلّ من عمل عملا لا يجلب له نفعا ، إنّما أنت لاعب .
ومن اللّعب ما يفيد في رياضة الجسم ، أو التّرويح عن النفس ، أو اكتساب بعض المعارف والمهارات ، وعندئذ يكون لعبا ذا أغراض جادّة .
فالفرق بين اللّهو واللّعب أنّ اللّهو قد يكون بأمر مفيد من أمور الدنيا ، وقد يكون مجرّد عبث يشغل عمّا ينبغي الاهتمام له والعناية به ، أمّا اللّعب فهو إنفاق الطّاقة في أمر لا يبلغ أن يكون من الجدّ الذي يهتمّ له ويعتني به العقلاء ، ذوو الهمّة العليّة ، ما لم يكن ذا فائدة للجسم أو النفس أو الفكر ، للفرد أو للمجتمع ، متيقّنة أو مرجوّة .
والكافرون الذين لا يؤمنون بيوم الدين ، يرون أنّ الاشتغال ببعض العبادات الدينيّة الرّبّانية ، هو من اللّعب الذي قد يفيد في رياضة الجسم ، أو في راحة النفس ، ولكنّ هذه العبادات الدينيّة لا تبلغ أن تكون من الجدّ الذي يهتمّ له العقلاء اهتماما ذاتيا .
معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 257
مساهمون: عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني
ص٢٥٧