إرادته ، فهو خارج عن دائرة التكليف الرّبّانيّ ، إذ هو خارج عن وسعه ، فلا يعتبر مسؤولا عنه ، فعلا كان أم تركا ، لأنّ اللّه عزّ وجلّ قال :
لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها
واستخدم في هذه العبارة ضمير المتكلّم العظيم للاشعار بأنّ عظمة ربوبيّة الرّبّ جلّ جلاله ، تأبى أن تكلّف نفسا فوق وسعها .
فالجبريّون الّذين يزعمون أنّ الإنسان مجبور في رحلة ابتلائه على الإيمان أو الكفر ، والمعصية أو الطاعة ، ثمّ يحاسبه اللّه جلّ جلاله وعظم سلطانه على ما جبره عليه ، ويثيبه أو يعاقبه على ما جبره عليه ، يعارضون بمقولتهم الباطلة صريح قول اللّه عزّ وجلّ :
لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها .
إنّه ليس في وسع الإنسان مطلقا أن يعمل شيئا جبره اللّه على خلافه بقضائه وقدره .
إنّ اللّه الرّبّ قادر مريد عليم حكيم عدل برّ رحيم ، وصفاته جلّ جلاله ، لا تتعارض ولا تتناقض ، بل تتكامل في تناسق هو غاية في الكمال .
والإنسان المكلّف يفعل الخير بإرادته الحرّة وهو مدرك واع ، ويفعل الشّرّ بإرادته الحرّة وهو مدرك واع ، واللّه عزّ وجلّ يمدّه بالقوّة وبالأسباب ، والعبد يوجّهها بإرادته ، واللّه يخلق له ما أراد ، ثمّ يحاسبه ويجازيه على ما أراد ، لا على ما تمّ تحقيقه بخلق اللّه .
هذا فهم السّلف ، وفهم أهل السّنّة والجماعة لهذه القضيّة ، وإنّما يأتي الخطأ فيها من حمل النّصوص على غير المراد بها .
*
. . أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ
( 42 ) :
هذه جملة خبر :
وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ .
أُولئِكَ
جاءت الإشارة إليهم باسم الإشارة الموضوع للمشار إليهم البعيدين ، للإشعار بارتفاع منزلتهم عند ربّهم .