ومن كان لديه خبر صحيح صادق عن رسول من رسل اللّه ، يثبت بيقين أنّ للّه شريكا في ربوبيّته ، أو في إلهيّته ، فإنّه يعفي نفسه أيضا من المؤاخذة عند ربّه .
أمّا من ترك برهان العقل ، والثابت من النقل عن اللّه عزّ وجلّ ، واعتمد على الأوهام ، وعلى ما لا يصلح لأن يكون دليلا ، واتّبع الكذّابين ، والمخرّفين ، والموسوسين من شياطين الجنّ والإنس ، فإنّه يعرّض نفسه للإدانة ، بأنّه من المشركين الكافرين ، وبأنّه يستحق أن يكون في جهنّم دار العذاب يوم الدّين ، مع الخالدين في العذاب المهين .
فمع أنّ الأمر يتعلّق بحقّ اللّه عزّ وجلّ على عباده ، في ربوبيته ، أو في إلهيّته ، فإنّ اللّه تعالى لم يجعله أمرا تحكّميّا ، وإنّما جعل له براهين عقليّة وعلميّة ، وقد آتى اللّه عزّ وجلّ النّاس وسائلها ، فهو يحاسبهم بمقتضاها ، ويطالبهم أن يستندوا إليها ، ومكّنهم من أن يحاجّوا بها .
هذه هي منطقيّة دين اللّه الإسلام ، إنها تقوم على مقولة :
« قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ » *
ولا تقوم على مثل مقولة النصارى : « اعتقد وأنت أعمى » .
على أنّ اللّه جلّت حكمته ، وعظم سلطانه ، لو أمرنا أن نعبد بعض خلقه ، لكان يجب علينا أن نطيع أمره .
لكنّ حكمته العليّة قضت بأن يفرد نفسه بالعبادة ، لئلّا يكون الشّرك في العبادة دليلا على الشّرك في الرّبوبيّة ، وعندئذ ينتقض أصل التوحيد ، الّذي هو قاعدة الامتحان الكبرى ، في الإيمان بالغيب ، بأدلّته البرهانيّة العقليّة ، وهذا أمر يتنافى مع كمال الحكمة الرّبانيّة ، فهو لا يكون .
الكلّية الخامسة : أن يتقوّل العباد على اللّه ما لا يعلمون أنّه من عند اللّه حقّا وصدقا ، ولو بغلبة الظنّ .
دلّ على هذه الكليّة قول اللّه عزّ وجلّ في الآية :