تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 194

مساهمون:

ص١٩٤
إنّ الإيمان باللّه خالقا ربّا له كلّ صفات الرّبوبيّة ، أوّل الحقائق والمطالب الدينيّة ، ويقترن بها تفرّده بهذه الرّبوبية إذ لا يوجد ربّ غيره . وقد قام على تفرّد اللّه بالرّبوبيّة وبالوجود الأزليّ دليل العقل ، المستند إلى الظاهرات الكونيّة ، ودليل الخبر عن اللّه الذي جاء به كلّ أنبياء اللّه ورسله ، منذ عهد آدم حتّى خاتم المرسلين محمّد بن عبد اللّه صلى اللّه عليه وسلم . فمن جعل مع اللّه شريكا له في ربوبيّته من أحياء أو أشياء ، أو قوانين سببيّة ، فقد كذب على الحقيقة ، وكذّب أخبار المرسلين ، وظلم حقّ ربّه عليه ، فهو بشركه من الكافرين . وأشدّ منه كفرا وظلما من أنكر وجود الرّبّ الخالق ، أو أنكر بعض صفات ربوبيته الّتي هي صفات الكمال المطلق . وبعد الإيمان باللّه ربّا لا شريك له في ربوبيّته ، تأتي الحقيقة الثانية ، وهي الإيمان بإلهيّة الرّبّ الخالق ، وبأنّه لا شريك له في إلهيّته . فاللّه وحده هو الذي له على عباده حقّ أن يعبدوه ، ولا يشركوا بعبادته أحدا ، ولا يشركوا بعبادته شيئا . وقد قام دليل العقل ، ودليل الخبر عن اللّه ، على هذه الحقيقة الثانية . * أمّا دليل العقل ، فمن بدهيّات العقول ، أنّ من أنعم بشيء على غيره ، كان له حقّ اعتراف المنعم عليه بذلك . وأنّ من كان هو الخالق الموجد من العدم ، كان من حقّه على المخلوق أن يخضع له ويطيعه ، لأنّه ملكه ، فإذا كان هو الممدّ له بالبقاء وبالنّعم الجليلة ، وبالتكريم والتفضيل على كثير ممّا خلق ، فإنّ من حقّه عليه أن يقابله بالشّكر ولو ضمن الحدود الدّنيا . هذه هي العناصر الأولى لعبادة المخلوق لخالقه ، فالواجب البدهيّ على المخلوق أن يكون عابدا لخالقه ورازقه والمنعم عليه عبادة إراديّة .