التكاثر البشري ، وتشابكت العلاقات الاجتماعية ، وانطلقت الشياطين تنزغ بين النّاس ، وتثير مطامع بعضهم للاستيلاء على حقوق آخرين منهم ، وامتّدّت آيادي المستجيبين لوساوس الشياطين ، فسلبت أو نهبت ، أو سرقت ، أو تحايلت ، أو قتلت ، ظلما وعدوانا ، فكان من أشدّ الواجبات الاجتماعيّة ، وأولاها بالرّعاية والتطبيق ، مبدأ العدل الّذي أمر اللّه به وأنزله مع ما أنزل من أحكام الدين . فقول اللّه عزّ وجلّ :
قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ
يشير ضمنا إلى كلّ ذلك فيما أرى . واللّه أعلم .
التدبر : في هاتين الآيتين بيان لخمس قضايا
من قضايا الدين الكبرى منذ عهد آدم .
القضية الأولى : * قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ . .
( 29 ) : أي : قل يا محمّد : أمر ربّي ، وهو ربّكم وربّ السّماوات والأرض بالقسط ، وهذا الأمر صادر عن اللّه ومنزّل على بني آدم منذ نشأتهم في الأرض .
القسط : هو العدل ، وهو من المصادر الّتي يوصف بها ، وكلمة « القسط » يوصف بها المفرد والمثنى والجمع .
يقال لغة : « قسط يقسط قسطا » أي : عدل . ويقال : « أقسط يقسط .
إقساطا . فهو مقسط » أي : عادل .
أمّا القسط بفتح القاف والقسوط فهو الجور والعدول عن الحق ، والقاسط هو الجائر .
وقد جاء في دين اللّه لعباده بيان أحكام تحديد الحقوق ، وأحكام قواعد العدل ، للفصل بين النّاس في خصوماتهم .