تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 170

مساهمون:

ص١٧٠
ومن هذا ندرك أيضا أنّ ثاني تحريف في الدّين ظهر في بني آدم ، هو الإذن بظلم طبقة في المجتمع الإنسانيّ لطبقة ، وظلم أشخاص الرّؤساء والقادة وكبراء القوم لسائر المجتمع . ثمّ ظهرت طبقة السادة والعبيد ، فبالتحريف الشيطانيّ للدّين ، أعطي هذا الظّلم مسوّغات دينيّة افتراء على اللّه ، واستمرّت الجاهليّات البشريّة تتوارث هذه المسوّغات المفتريات على الدّين الرّبّاني ، لظلم بعض طبقات وأفراد المجتمع لبعض ، حتّى المجتمع الجاهليّ الّذي بعث فيه الرسول محمد صلى اللّه عليه وسلم ، فجاء قول اللّه له :
قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ
مبيّنا الحكم الدّينيّ منذ عهد الرّسالة الأولى لبني آدم الأوّلين ، في قضايا الحقوق بين الناس ، وهو العدل ، وهذا الحكم غير قابل للتغيير ولا للنّسخ بمقتضى حكمة اللّه ، ما دام في الكائنات أفراد يمكن أن يظلم بعضهم بعضا ، ويعتدي بعضهم على بعض ، ويأخذ بعضهم بالقوّة أو بالحيلة حقّ بعض ، وهو يعلم أنّه ظالم . أي : ودبّ في بني آدم العدوان والظّلم ، وبتطاول العهد أعطى شياطين الإنس والجنّ هذا العدوان مسوّغات منسوبة إلى الدّين ، تحريفا في دين اللّه ، وافتراء على اللّه جلّ جلاله . وتوارث كثير من النّاس هذا التحريف ، ومنه مقالة اليهود بالنسبة إلى الذين يتعاملون معهم من سائر الأمم :
لَيْسَ عَلَيْنا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ :
« 1 » أي : لا نحاسب إذا ظلمناهم ، وأكلنا حقوقهم ، وسلبنا أموالهم ، أو قتلنا منهم . ثمّ مع تكاثر بني آدم ، واجتماعهم في بيئة أو بيئات يتنافسون فيها على ما يكون به معاشهم ورفاهياتهم ، مع وسائل تحصيل مطالب الحياة المختلفة ، إذ قلّت الوفرة الكبيرة الكثيرة الّتي كانت في الأرض منذ بدء
هامش
( 1 ) من الآية 75 من سورة آل عمران .