تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 167

مساهمون:

ص١٦٧
قُلْ . . . إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ . . . .
( 28 ) أي : إنّ الفحشاء سبيل سيّئ قبيح ، وله عواقب ضارّة في الأفراد وفي المجتمعات البشريّة ، ومن المؤكّد الذي لا مجال فيه للشّكّ أنّ اللّه العليم الحكيم لا يأمر بالفحشاء . ولمّا كان في المخاطبين من أهل الجاهليّة في عصر الرّسول محمد صلى اللّه عليه وسلم من يقولون مثل مقالة أهل الجاهليات القديمات ، علّم اللّه جلّ جلاله رسوله أن يقول لهم :
إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ
وعلّمه أيضا أن يقول لهم مستنكرا وموبّخا :
أَ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ ؟ ! !
أي : أتقولون ما لا تعلمون بوسائل إثبات صحيحة كذبا وافتراء على اللّه : إنّ اللّه يأمر بالفحشاء . في هذه العبارة توجيه السؤال لهم بأسلوب الاستفهام الإنكاريّ التوبيخيّ ، ومعناه الإنكار عليهم ، وتوبيخهم على مقالتهم الشنيعة على اللّه ، الّتي ليس لديهم علم ما بأنّ اللّه عزّ وجلّ قد قالها . أمّا فعل آبائهم للفاحشة حتّى صارت من الظواهر التّقليديّة في مجتمعاتهم الجاهلية ، فهو لا يصلح لأن يكون دليلا على أنّ الفحشاء من أوامر الدّين لدين صحيح منزّل من عند اللّه عزّ وجلّ ، بل هو من الظواهر البشريّة التي انحرف الناس فيها عن الدّين الرّبّانيّ الصّحيح ، واستحبّتها نفوسهم لأنّها تعطي شهواتهم انطلاقها دون قيود ولا حدود . ومن بؤرة شهوات الفروج الحيوانيّة ، يستغلّ شياطين الجنّ والإنس مغامز الضعف البشريّ لإخراج الناس عن صراط اللّه المستقيم ، ويزيّنون لهم ذلك بما يسمّونه بنظريّات علميّة نفسيّة ، أو اجتماعيّة ، أو اقتصاديّة ، أو فلسفيّة ، وبما يقدّمونه من أكاذيب تاريخيّة أو دينيّة ، أو غير ذلك ، عدا ما يهيّئون لهم من بيئات إثارة وإغراء واستنزال إلى الخطيئة ، ومعصية اللّه جلّ جلاله .