سكّانها من بني آدم ، لا تدع مجالا للتنافس ، حتّى تظهر المعاصي الأخرى ، كالسّرقة والعدوان على الحقوق ، والظلم وغير ذلك ، حتّى الشّرك باللّه لم تكن دواعيه قد ظهرت ، وإشراك الأسباب لربوبيّة اللّه لم تنس بعد عقوبته الّتي أخرجت أبويهم من الجنّة ، والقتل في أوّل البشريّة لم يكن له داع إلّا داعي التنافس على مطالب شهوة الفروج .
ففي ذلك الوقت كانت النّدرة والمنافسة المثيرة للتحاسد منحصرة في مطالب الشهوة الحيوانية المتركّزة في الفروج .
وهذا يدلّنا على أنّ في مقدّمة ما نزل من نهي ربّانيّ تحريميّ على بني آدم منذ بدء التاريخ البشريّ على الأرض ، النهي عن الفاحشة المتعلّقة بالسّوآت ، ومنذ ذلك الوقت نزل الأمر بستر السّوآت ، وهي العورات المغلظة ، حيث تكون سبل هذه الفاحشة ، ليكون سترها علامة على الموضع الّذي يتركّز في بؤرته التحريم ، وليكون مساعدا على التزام العفّة ، فكشف العورات ، والاستهانة بإبدائها للناظرين ، الّذين لديهم دوافع شهوة مرتبطة بها ، يشير لممارسة تلبية مطالب الشهوة ، وهو بمثابة إعلان بأنّ الأبواب مفتّحة ، والسّبل إليها ميسّرة ، وأنّ الوطر لديها مقضيّ باستضافة أو إباحة ، ولا سيما إذا ظهرت فيها علامات الرّغبة .
ونزل تعليم بني آدم الأوّلين صناعة أو استخدام الألبسة الساترة ، من جلود البهائم ، أو مما ينسج من الخيوط ، وجاء التركيز في بداية التعليم على مواضع السّوآت ، للإشارة إلى أنّها مواضع أوّل تحريم دينيّ نزل على بني آدم منذ بدء تاريخهم على الأرض
وجاء التمهيد له في بيان نزع اللّباس عن سوآت آدم وحوّاء ، لمّا ذاقا الشجرة المحرّمة في الجنّة ، وهي الشجرة المعيّنة لامتحانهما . وفي بيان امتنان اللّه عزّ وجلّ على بني آدم بإنزال اللّباس الذي يواري سوءاتهم بعد
معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 165
مساهمون: عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني
ص١٦٥