تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 159

مساهمون:

ص١٥٩
الحقيقة موجّه لبني آدم ، والعبارة فيها محذوف مقدّر ذهنا ، وهي على تقدير : لا تمكّنوا الشيطان من أنفسكم حتّى تتأثروا به فيفتنكم ، كما يقول القائل لإنسان دخل بيت الأسد : لا يأكلنّك الأسد ، أي : خذ حذرك منه ، ولا تمكّنه من أن ينتهز فرصة يفترسك فيها . [ لا يفتنكم ] أي : لا تمكنوه من أن يغريكم بخداعه وغروره ، ووساوسه وتسويلاته ، حتّى يضلّكم عن صراط ربّكم ، فيوقعكم في الغواية ، فتكونوا من الّذين يعذّبون في النار جاء الفعل مؤكّدا بنون التوكيد الثقيلة للمبالغة في النهي ، واستخدم الفعل المضارع للإشارة إلى أن أعمال الشيطان دائمة التكرار والتجدد والمتابعة بدأب . الفتنة : هي في الأصل الصّهر بالنار للمعدن ، كالذهب والفضّة ، لتمييز الرديء من الجيد ، اختباره ، تقول لغة : فتن الصائغ الذهب مثلا ، يفتنه فتنا وفتونا ، أي : أذابه بالنار ليختبره . ثم صارت مادّة الكلمة تدلّ على مطلق الابتلاء والامتحان والاختبار ، وبما أنّ اختبار الإرادة إنّما يكون بما تكره النفوس ويخالف أهواءها وشهواتها ، فإنّ جنس الألم الّذي يحدثه مسّ النار باق في دلالة المادّة مع دلالتها على الاختبار والامتحان . ومن التوسعات اللّغويّة في دلالة هذه المادة اللّغويّة ما يلي : * اطلاقها على ما يسبّب الضّلال فيوقع في الخطيئة ، التي يستحقّ مرتكبها العذاب ، فيناله ما يكره ، ومن هذا يقال : فتن الشيطان الإنسان إذا أغراه بوساوسه وتسويلاته ، فاستجاب لخداعه وغروره ، حتّى أضلّه فأغواه ، فعرّضه لعذاب اللّه ، ولهذا يسمّى الشيطان فاتنا وفتّانا ، ولهذا يقال لكلّ مضلّ فاتن وفتّان . * إطلاقها على الضلال وارتكاب الإثم ، لأن ذلك يعرّض لعقوبة اللّه ، إلى غير ذلك من إطلاقات .