وكان إبليس الشيطان يعلم أنّ نزع لباس التقوى ، من آثاره الّتي قضاها اللّه في خطّة اختباره لهما نزع لباس الجسد عنهما ، الّذي تنكشف به سوءاتهما عند فروجهما وما حولها ، فيكون ذلك افتضاحا مادّيّا لهما بسقوطهما في معصية ربّهما .
فإذا أراهما سوآتهما الجسديّة والنفسيّة ، شفى غيظه بإشعارهما وإشعار الملائكة أنّهما لم يكونا أفضل منه ، إنّه سبق أن عصى أمر ربّه له بالسّجود لأدم ، وها هما قد عصيا نهي ربّهما لهما عن الأكل من الشجرة . إنّه طرد واستحقّ عذاب النار خالدا فيها ، فهو حريص على طردهما وذرّياتهما واستحقاقهم عذاب النار .
ويبدو أنّ الرّبط بين لباس التقوى النفسيّ الإرادي السّاتر للسوآت النفسيّة ، وبين لباس الجسد السّاتر لسوآت الجسد ، قد جيء به للدّلالة على أنّ كلّ سلوك إراديّ باطن من خير أو شرّ ، له أثر ما يدلّ عليه في ظاهرات الأجساد ، قد لا يدركه إلّا أصحاب الفراسة الإيمانيّة ، من المتقين والأبرار والمحسنين .
*
إِنَّهُ يَراكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ :
أي : يا بني آدم إنّ إبليس الشيطان يراكم هو وقبيله من شياطين الجنّ ، من أمكنة يكونون معكم فيها ، وأنتم لا ترنهم .
والسّبب في هذا أنّ اللّه جلّت قدرته وعظمت حكمته ، قد جعل أبصار الإنس محدودة الرّوية ، فهي لا ترى الهواء مثلا ، ولا ترى أجساد الملائكة النورانية ، ولا أجساد الجنّ الشّفّافة النّاريّة بحسب العادة ، ولا الحيوانات الدقيقة الصغيرة كالجراثيم ، والميكروبات ، والفيروسات ، دون مكبّرات مجهريّة لها .
وهذا من نظام اللّه في خلق الإنس والجنّ والملائكة .