تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 153

مساهمون:

ص١٥٣
الحرّتين تختاران ارتكاب الخطيئة ، طمعا في أن يكونا ملكين أو يكونا من الخالدين ، كما وسوس لهما الشيطان ، وقد تسبّب ارتكابهما الخطيئة بالأكل من الشجرة المحرّمة ، في نزع أكسيتهما المادّيّة عنهما ، وكان هذا النّزع ظاهرة من ظواهر العقاب المعجّل لهما ، قبل محاكمتهما ، وكان مماثلا لنزع لباس التقوى عنهما ، وكان سببا في إخراجهما من الجنة إلى الأرض ، ليستكملا رحلة امتحانهما عليها ، ولتبدأ ذرّيّاتهما رحلات امتحانهم عليها . وقد جاء الدرس الثالث مبتدئا ببيان بدء رحلات امتحان بني آدم بمنّة الهداية لصناعة الألبسة السّائرة للسّوءات وسائر الأجساد ، وصناعة الرّياش ، وهو الأثاث الفاخر وكلّ ما فيه رفاهية للعيش ، والهداية لما يقي من عذاب اللّه يوم الدّين ، من اعتقاد أو خلق أو عمل ظاهر أو باطن ، وهذا الواقي شبيه بالأكسية والدروع الواقية ، والألبسة السّاترة للعورات ، وهو في الحقيقة خير وأعظم نفعا للإنسان من الألبسة السّاترة للأجساد ، والواقية لها من ضرّ الحرّ والبرد ، وقبح انكشاف السّوءات الجسديّة ، ذات المناظر المستكرهة ، الّتي يدعو كشفها إلى إشاعة الفاحشة ، وتسافد النّاس كالبهائم المهملة . وبعد المنّة بهذين السّترين الواقيين المادّيّ والمعنويّ ، حذّر اللّه عزّ وجلّ بني آدم من أن يفتنهم الشيطان ، فيصدّهم أو يحوّلهم عن صراط اللّه ، حتّى لا يكونوا من أهل الجنة ، بل من أهل النار ، بعد رحلة الامتحان في الحياة الدنيا على الأرض ، كما فعل بأبويهم ، إذ أوقعهما بحيله ووساوسه وتسويلاته في الفتنة . حتّى سقطا في معصية ربّهما ، فكان السّبب في إخراجهما من الجنة عقوبة لهما على معصيتهما الاختيارية . وخاطب اللّه عزّ وجلّ في هذا الدّرس بني آدم ، بكثير من الشرائع والأحكام الدّينيّة ، على سبيل الحكاية المقتطعة مما خاطب به بني آدم
معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 153 | عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني