وهو الذي يمنح بحكمته الخلود السّعيد ، للّذين يجتازون رحلة امتحانهم على ما شرع لهم ، من الذين وضعهم موضع الامتحان ، ليحاسبهم ، ويفصل القضاء بينهم ، ويجازيهم يوم الدين .
أمّا الّذين قابلوا نعمة اللّه وتفضيلهم في الخلق وتكريمه لهم بالكفران والجحود ، والاعتراض على حكمته في تكاليفه بمقتضى ربوبيته وإلهيّته ، فلهم دار عذاب مضادّة ومناقضة في صفاتها لدار النعيم ، وجزاؤهم الخلود فيها ، سواء أكانوا من الجنّ أم من الإنس .
إنّ إجراء تجربة الابتلاء في الجنّة ، ثم الانتقال منها إلى الأرض ، بعد معصية الإنسان فيها ، تشبه عمليّات النّسخ في الأحكام التشريعية ، الّتي يعلّمنا اللّه بها التّغيير في قراراتنا بحسب مقتضيات الحكمة ، ويعطينا بها قدوة حسنة من أفعاله الحكيمة جلّ جلاله ، حتّى لا نتعصّب لقرارات وأحكام نبتّها ، وحتّى لا نتشبّث بها ، إذا اكتشفنا ما هو خير منها وأفضل لتحقيق المطلوب ، بل الواجب علينا أن نعدّل إلى الأصلح دواما ، صاعدين على درجات سلّم ارتقائي في أنظمتنا وتراتيبنا الإدارية ، وأساليبنا الحضاريّة .
إذا كان الرّبّ العليم بكلّ شيء ، والحكيم في اختياراته ، ينسخ في أحكامه ، مراعاة لما هو الأحكم والأصلح ، وليضرب لنا مثلا من نفسه ، حتّى نقتدي به ، فماذا يجب علينا ونحن ذوو علوم قاصرة ، ونظرات ضعيفة محدودة كليلة ؟ ! !
*
اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ :
خطاب لآدم وزوجه ، وذرّيّاتهما فيهما ، لأنّ مصغّرات أنسالهما موجودات في ظهر آدم ، وعند حوّاء مصغّرات البيوض ، بأعجوبة إعجازيّة لا يقضي بتكوينها إلّا ربّ كلّ شيء وخالق كلّ شيء .
*
اهْبِطُوا :
أمر تكوينيّ فيه إشعار بالعقوبة لهما ، وبإجراء الأحكم بالنسبة إلى ذرّيّاتهما .