وبإسكان آدم وزوجه أوّلا في الجنّة ، أعلمنا اللّه عزّ وجلّ عن طريق التّجربة ، أنّ الحكمة تقضي بأن لا تكون الجنة هي دار الابتلاء والامتحان ، بل ينبغي أن تكون دار جزاء فقط .
وأعلمنا أيضا أن المسكن الدائم للإنسان الذي خلقه في أحسن تقويم هي جنّات النعيم ، بشرط أن يجتاز رحلة امتحانه بنجاح ، ولو من أدنى الدّرجات ، الّتي يكافأ عليها بأدنى درجات الجنّات ، وشرط استحقاق دخول الجنة والخلود فيها هيّن سهل ، إنّه الإيمان بربوبيّة اللّه لكونه ، وبإلهيّته لعباده ، دون أن يشرك الممتحن من العباد باللّه شيئا في ذلك ، مع قيامة بما يدلّ على أنّه غير مستكبر ولا متمرّد على طاعته .
أمّا من أخلّ من العباد الممتحنين بهذا الشرط ، فالحكمة تقضي بمعاقبته في دار عذاب معدّة للكافرين المجرمين الّذين يقضى عليهم بأن يخلدوا فيها .
ومن عصى غير مستكبر ولا متمرّد على طاعة ربّه في التكاليف العملّية ، فإنه يستحقّ العقاب بالعدل على مقادير معاصيه ، إذا لم يشمله عفو اللّه أو غفرانه .
وبتقديم تجربة الامتحان في الجنّة والإخراج منها بالمعصية ، يكشف اللّه عزّ وجلّ لنا ، أنّ الحكمة الّتي ينبغي أن يعمل بها دواما ، تقضي أن يكون الامتحان في مكان ما أخر خارج الجنّة ، لتكون الجنّة بعد ذلك ثوابا وجزاء لمن يكون أهلا للخلود فيها .
فالخلود السّعيد لا يكتسب بالأكل من شجرة ، أو مادّة ما فيها إكسير الخلود السّعيد ، وإنّما يكون بالعمل الإراديّ الذي يتحقّق به رضوان اللّه ربّ الأكوان ، والمهيمن على كلّ شيء فيها بعلمه وحكمته وقدرته ، والمجري أحداثها بقضائه وقدره وخلقه .
معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 147
مساهمون: عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني
ص١٤٧