واستعطافا ، وأبانا في اعترافهما أنّهما ظلما أنفسهما ، باعتبار أن معصيتعهما لم تضرّ اللّه شيئا ، بل هما بمعصيتهما الجانيان ، وهما المجنيّ عليهما ، إذ عرّضا أنفسهما للعقوبة الّتي يخسران بها البقاء في الجنّة ، ويتحمّلان بها متاعب الشّقاء في رحلة الابتلاء في الأرض .
واستجديا المغفرة ، ورحمة زائدة على المغفرة ، بطريقة مليئة بالتّذلّل والأدب مع ربّهما .
ورجّحا في هذا الموقف جانب الرّجاء ، باستعمال حرف الشرط « إن » الذي يستعمل في المشكوك فيه ، فقالا :
. . . وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وَتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ
( 23 ) فحرف « إن » دخل على المنفيّ ، وهذا المنفيّ مشكوك فيه ، فيكون نقيضه مرجوّا ، وهو المغفرة ، والرّحمة الزائدة عليها .
*
لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ :
هذه الجملة جواب الشرط « إن » وقد جاءت مؤكّدة على تقدير وقوع الشرط وهو عدم المغفرة وعدم الرحمة ، لكنّ وقوع هذا الشرط مشكوك فيه ، إذ المرجوّ أن يغفر اللّه لهما ويرحمهما .
مِنَ الْخاسِرِينَ :
أي : من ضمن جماعات الخاسرين الّذين خسروا أنفسهم من قبلنا ، كإبليس وسائر كفرة الجنّ ، ومن بعدنا من الجنّ ومن ذرّياتنا من الإنس .
عندئذ أصدر اللّه عزّ وجلّ حكمه عليهما :
*
قالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ .
( 24 )
وفي هذا الحكم الصّادر عليهما ، وعلى ذرّيّاتهما الّذين سيتناسلون منهما ، نقل لرحلة الابتلاء من الجنة ، المعدّة في الخطّة الربّانية لأن تكون إحدى داري الجزاء ، إلى الأرض التي نحن الآن فيها ، والمعدّة في أصل الخطّة الرّبّانيّة ، لأن تكون هي مكان الابتلاء .