وهذا أدعى للاستجابة ، والاندفاع إلى ما تدعو إليه الوسوسة ، باعتبار أنّ الدّاعي شيء من ذات النّفس ، لا من جهة أخرى تأمر وتنهى وتغري .
وبعد أن حذّرنا اللّه عزّ وجلّ من وساوس الشياطين ، فإنّنا نعرف بتجاربنا كيف تكون وساوس الشّيطان في صدورنا ، إذ نشعر بأنّها من قبيل أحاديث النّفس الّتي تنزع بنا إلى الإثم والمعصية للّه عزّ وجلّ ، وتنصرف حين نذكر اللّه ونستعيذ به ، وذلك بحركة خنوس مؤقّت ، وترجع إلى الوسوسة عند الغفلة .
وأمّا كيف وسوس الشيطان لآدم وزوجه في الجنّة ، فقضيّة من قضايا الغيب الّتي لم يرد في النّصوص الإسلاميّة الصّحيحة بيان عنها ، فلا داعي لإيراد إسرائيليّات لا نعلم مدى الصّدق في واحد منها ، ولا لإيراد أخبار ليست مرويّة عن المعصوم .
لكنّنا علمنا من دلالات نصوص القرآن المجيد ، أنّ اللّه عزّ وجلّ قد مكّن إبليس من وسائل دعوة آدم وزوجه لمعصية ربّهما ، حتّى أكلا من الشجرة المحرّمة ، ومكّن إبليس وجنود من شياطين الجنّ من وسائل دعوة ذرّيّاتهما لمعصية اللّه حتّى أخسّ دركات الكفر ، دون أن يكون لهم سلطان على أيّ واحد منهم ، يلغي إرادته الحرّة ، أمّا من كان غاويا واتّبع الشيطان فإنّه هو الذي مكّن الشيطان من أن يكون له عليه سلطان .
ولمّا كان إسكان آدم وزوجه الجنّة إسكان امتحان واختبار ، لا إسكان خلود واستقرار ، كان تمكين اللّه عزّ وجلّ لإبليس من أن يوسوس لهما بوسيلة ما ، ولو بدخول الجنّة دخول غير ساكن ولا مستمتع ، امرا منسجما مع الحكمة الرّبانيّة ، ولا يتنافى مع قضيّة من قضايا صفات الجنّة .
والاعتراض بأنّ إبليس طرد من الجنّة ، اعتراض غير وارد ، لأنّه ليس في النّصوص ما يعيّن أنّ طرد إبليس قد كان طردا من الجنّة ، بل الاحتمال
معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 133
مساهمون: عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني
ص١٣٣